في القدس.. قد بلغ السيل الزبى

وسام زغبر

كاتب وصحافي فلسطيني
التغوّل الإسرائيلي يأخذ منحى جديداً بعد عملية القدس وإعلان الأوقاف الإسلامية عن فقدانها السيطرة على المسجد الأقصى كاملاً، بعد منع المسلمين من الوصول ورفع الأذان وإقامة الصلاة في المسجد للمرة الثانية منذ حرقه ومنبر صلاح الدين على يد المتطرّف الإسرائيلي مايكل دينس روهن، الذي أدّعى الاحتلال الإسرائيلي حينها أنه معتوه، إضافة إلى العبث الإسرائيلي في مكاتب الأوقاف ومرافِق الأقصى ومن بينها المحكمة الشرعية التي تحوي السجل التاريخي لمدينة القدس.
منع المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى ورفع الأذان وإقامة الصلاة فيه للمرة الثانية
منع المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى ورفع الأذان وإقامة الصلاة فيه للمرة الثانية
إن مدينة القدس تتعرّض اليوم لهجمة صهيونية شرسة ومسعورة تستهدف تهويدها ومحو طابعها الديموغرافي العربي، وتضييق الخناق على مواطنيها بهدم منازل المقدسيين ومصادرة بعضها الآخر ونهب الأراضي والسطو عليها بقوة الاحتلال وبناء الوحدات السكنية للمستوطنين في قلب المدينة وأحيائها العربية، ومحاولة إفراغها من سكانها المقدسيين بسحب هوياتهم وإبعاد الشخصيات الوطنية والدينية عن المدينة وأحيائها، وكذلك النواب والأسرى مثل الأسير سامر العيساوي -الذي أعيد اعتقاله بعد الإفراج عنه مرة في صفقة الأسرى وأخرى بعد الإضراب المفتوح عن  الطعام-، ووضع التشريعات الإسرائيلية فوق القانون الدولي، إضافة إلى اقتحام المستوطنين معزّزين بقوات الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك ووضع العراقيل والحواجز أمام المصلّين المسلمين والمسيحيين ومحاولة فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل.

إسرائيل تحاول تغيير وطمس الطابع الديموغرافي العربي لمدينة القدس المحتلة، حيث تشير المُعطيات الرسمية (معهد أبحاث القدس الإسرائيلي) إلى أن عدد السكان في القدس 542 ألف يهودي (197700 قبل 50 سنة) يسكنون في القدس بشرقها وغربها، مقابل 324 ألف عربي (86600 قبل 50 سنة)، فإن عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي معاً يصل حالياً إلى 865 ألفاً و700 نسمة، ومعدل عدد الأولاد الذين تلدهم النساء اليهوديات يبلغ 4.28 مقابل 3.23 لدى النساء العربيات وفق إحصائيات عام 2015 رغم أنه قبل بضع سنوات كانت معدلات الخصوبة معاكسة، فيما الأغلبية اليهودية في المدينة تقلّ والسبب أن نحو 18 ألف يهودي يغادرون المدينة كل سنة، فيما 50 ألف عربي غير مُدرجين في إحصاء المدينة ويسكنون في الأحياء العربية الشمالية خلف الجدار الأمني، بل وتسعى إسرائيل إلى خفض نسبة السكان الفلسطينيين من 37% إلى أدنى من 22% في ما يُسمّى القدس الكبرى.

 

ويعزل الجدار العازل نحو 150 ألف دونم من أراضي القدس الشرقية فيما يضم 24 مستوطنة إسرائيلية إلى داخل حدود القدس للسيطرة على 18% من مساحة الضفة الغربية، فيما يواصل الاحتلال تحويل القدس والمنطقة المحيطة بها إلى "متروبولين" ضخم من خلال طرح الوزير عن حزب البيت اليهودي نفتالي بينت قانون "منع التخلّي عن القدس" لضم 150 ألف مستوطن إسرائيلي إلى منطقة النفوذ لبلدية الاحتلال في القدس بضم مستوطنات مقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وهي "معاليه أدوميم" و"غفعات زئيف" و"غوش عتسيون" و"أفرات" و"بيتار عيليت"، على أن يتم إخراج مخيم شعفاط للاجئين وكفر عقب وعناتا من مسؤولية بلدية الاحتلال في القدس وتحويلها لسلطات محلية مستقلة والتي تطال 100 ألف عربي.

أمام هذه المعطيات الخطيرة في القدس، يتطلب اليوم الانتقال فلسطينياً من لغة الأقوال إلى لغة الأفعال، فلم تعد تجدي نفعاً لغة الاستجداء والخطابات للدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي لتقديم يد العون والمساعدة، رغم إدراكنا أن تلك الدول لا تقدّم شيئاً ولا تؤخّر من دون استشارة وموافقة الولايات المتحدة الأميركية الدولة المنحازة لصالح الاحتلال الإسرائيلي. فالقمم العربية والإسلامية أكبر شاهد على ذلك، التي لم تدعم الفلسطينيين سوى بسيل من الفتاوى والتناقضات حول تحريم زيارة القدس لغير الفلسطينيين والتنازلات العربية المجانية والمؤلمة لصالح الاحتلال الإسرائيلي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والمتمثّلة بالقبول بتبادلية الأراضي في حدود 1967 لحل القضية الفلسطينية.

إن الاستيطان والتهويد يتغولان في مدينة القدس وباقي فلسطين بالتزامن مع استراتيجية القمم العربية والإسلامية ودفع الأموال وفتح شهية الفتاوى والتي لم تصل إلى القدس وفلسطين بعد، فيما تتسابق الدول العربية والإسلامية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، إلى أن وصل الحال بالمملكة العربية السعودية الموافقة على وصول رحلات الحجيج المسلمين من الداخل الفلسطيني عبر مطار بن غوريون إلى جدة مباشرة . فمدينة القدس بحاجة إلى حشد أنصار الشعب الفلسطيني الحقيقيين لمقاطعة إسرائيل وأميركا ومصالحهما في المنطقة العربية والتصدّي للتهويد بتحريك الهمم والطاقات عبر إستراتيجية المقاومة بكل أشكالها، ووقف المفاوضات واللقاءات العبثية مع الاحتلال وإنهاء الانقسام المدمّر. إن عناصر إستراتيجية المقاومة الجديدة هي المقاومة المسلّحة، والحركة الشعبية في الميادين، وهجوم دبلوماسي وسياسي، وحشد التأييد الدولي والإقليمي والعربي (عبر حركة اللاجئين وتطويرها في معارك الدفاع عن حق العودة)، باستقدام الوفود الدولية للإطلاع عن كثب على ما تعانيه القدس من إجراءات وانتهاكات للقوانين الدولية وكسر الحصار المفروض عنها، وتبني إستراتيجية اقتصادية واجتماعية.

فالقدس يا سادة بحاجة إلى إستراتيجية وطنية جديدة لدعم صمود أهلها بالمال والمناصرة والتصدّي لمشاريع تهويدها وطرد سكانها الأصليين واعتقالهم، وصون عروبتها بما في ذلك توحيد المرجعية الوطنية الخاصة بالمدينة، وتوحيد الخطاب الإعلامي الداعم والموجّه لها والكشف عن عمليات البيع والسمسرة لأراضي القدس، وعزل المسؤولين الفلسطينيين الذين يعطون لإسرائيل الأحقية في السيطرة على حائط البراق الإسلامي، والدعوة إلى أوسع حملة عربية وإسلامية ودولية في وجه المؤامرة الإسرائيلية ومعها الأميركية التي أغرقت مدينة القدس في مفاوضات عقيمة بدءاً من أوسلو التي وضعت قضية القدس على طاولة ملفات الحل النهائي.

ما أحوجنا إلى الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام العبثي  لوضع القضية الفلسطينية على سلّم الأولويات الإقليمية والدولية، ما أحوجنا إلى تجميع عناصر القوة الكاملة للشعب الفلسطيني وتجديد مؤسّساته الوطنية، في ظل الأزمات السياسية والحياتية التي تعصف بالحال الفلسطينية، ما أحوجنا إلى الإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة وتنفيذ مخرجات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني في بيروت (10-11 يناير 2017) لتجهيز قانون وآليات الذهاب لانتخابات تشريعية ورئاسية وكل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بالتمثيل النسبي الكامل، لإنجاز مهمات الثورة والمقاومة والشراكة الوطنية، مرحلة التحرّر الوطني والاستقلال.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً