موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

"الميادين" مقابل إعلام الفوضى الهدّامة

كلمة الكاتب والمحلل السياسي موفق محادين في المؤتمر التضامني مع الميادين في عمان.

الاعتداء الصريح على المشاهدين
الاعتداء الصريح على المشاهدين

منذ عقد وأكثر، ونحن في حضرة النبؤات المبكرة عن الإعلام الجديد، والثورة المعلوماتية والتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى في العديد من الإصدارات والكتب، ومن أبرزها:

 

· كتابات بريجنسكي، وخاصة "أمريكا بين عصرين" و "خطة لعب".

· كتابات توفلر وخاصة "الموجة الثالثة" و "تحول السلطة".

· رواية 1948 لجورج أورويل.

· أفكار بورديو عن الإكراه المقنّع أو العنف الرمزي.

 

إعلام وحقبة غير مسبوقة في التاريخ، همجيات تلد أخرى، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، الليبرالية المتوحشة والتوحش التكفيري، البلطات وآخر التقنيات، الثريا مع التأويلات المتخلفة والعطر الباكستاني كامل الدسم.

وأما الإعلام فلا يعتمد على نقل الصور والأحداث والتعليق عليها بخبث أو حقد أو مقابل أجر معلوم، بل إعلام شريك في الدم والهدم على إيقاع ما هو مبرمج في محافل الشمعدان السداسي وبورصات مانهاتن وحكوماتها السرية وأدواتها الليبرالية والتكفيرية على حد سواء.

 

إعلام الفوضى الهدّامة في كتاب برنار ليفي، وتفكيكية دريدا وجون ماكين (كائن مستحدث من فرسان المائدة المستديرة).

 

إعلام مثل سائل التنظيف لا يترك أثراً على الأطباق ومغاسل المطابخ، درءاً للجريمة لا شغفاً بالنظافة.

 

والأخطر، فوضى اللا-عقل المقدّس والسطح الأملس لكريات زجاجية، تدور وتدور بلا أفق -كما كتب هرمان هيسه بوحي رحلة غامضة إلى الشرق.

 

وفي تفاصيل إعلام هذه الفوضى، وابتداءً من سيّد مزرعة الحيوانات ورواية (1948)، فإن جهاز التجسس المنزلي المعلن الذي يشبه تحذيرات السير (الطريق مراقب) لم يعد كاتماً (معلناً للصوت) في خدمة السلطات وتأبيدها، بل صار إعلاماً واسع الانتشار لهدمها وبناء سلطات مختلفة على إيقاع العصر وحكومات المال الجديدة.

 

إعلام معولم كما الدجاج الأبيض، متورط من رأسه حتى أخمص قدميه في لعبة الأمم كما يقرر ويشتهي الرأسماليون الكبار في حكومة البيلدربرغ.

 

يخبرنا توفلر في كتابه "تحول السلطة" كيف أدارت المخابرات الأمريكية الثورة المضادة ضد تشاوتشيسكو عبر ما عرف بالأستديو رقم (4)، والذي تكرر لاحقاً في بغداد وفي طرابلس، وأريد له أن يتكرر في دمشق في عملية الياسمينة الزرقاء.

 

تشويش كامل على الاتصالات ووسائل البث المحلية والإعلان على الشاشات المحلية نفسها عن هرب الرئيس وسقوط السلطة، بل الدولة.

 

وهناك ما يقال عن أن فضائية واسعة الانتشار في الخليج أنشأت لتكون الطبعة الحديثة من الأستديو الروماني رقم (4) بانتظار صافرة البداية للربيع الأسود.

 

وكما يلاحظ بورديو، في فلسفة الهيمنة الإعلامية الجديدة الخفية تعاد صناعة العقل وصياغة الدماغ نفسه، بل تحطيم العقل واستبداله بحالات من اللا-عقل الغريزي المشفوع بقداسة مزعومة.

 

فبالإضافة لصناعة الرأي العام المستلب بالكامل للـ "ميديا" المتوحشة، ثمة هندسة للدماغ في مختبرات المشاهد، كما تؤكد لعبة الكادر رقم (25) في شريط اللقطات، ولعبة الموسيقى عند عبدة الشيطان، وأمثالهما مما يشبه كبتاغون الهلوسة في نسخته المروعة، الهلوسة صانعة الانتحاريين والشبق المسلح الذي يسابق الزمن إلى الحور العين ووسائد من إستبرق وسندس تسر الناظرين.

 

اعتداء صريح على المشاهدين، تارة بالخوف والقوة غير المرئية أو العنف الرمزي، وتارة أخرى باستغفالهم، وتارة ثالثة باحتقارهم أيما احتقار.

 

والأسوأ في كل ذلك ما يظنه الضحايا من حرية سقفها السماء في عصر العولمة والميديا خاصتها، ولا يدركون أنهم كما عبيد روما عند سادة المضاربة وحكوماتها السرية، بل إنهم لا يتورعون عن إعلان ذلك على غرار ما قاله لورنس ذات مرة "أنا سيّد البهائم"، وعلى غرار ما أعلنه فيلسوف الثورات البرتقالية والربيع العربي، اليهودي جين شارب في مقاله الشهير "سيد القرود".

 

وإمعاناً في هذه السفالات والقاذورات عند المشاهدين المغفلين في الميديا الجديدة، لا يتورع مهندسو هذه اللعبة عن استعارة عالم أورويل مرة ثانية (مزرعة الحيوانات) لتقريب الأفكار والرسائل الإعلامية عند التلاميذ في الكليات المتخصصة أو المتدربين على أكاذيب الحرية وحقوق الإنسان من زبائن المنظمات غير الحكومية، الـ (NGO's)، ومدارس التجسس الناعمة، من شملان القديم في لبنان إلى مجمع سوروس المفتوح، إلى أكاديمية التغيير والأوتبور وإلى وإلى...

 

والأمثلة المخزية في الدروس المذكورة على قدر الحيوانات وما أكثرها:

 

1) من دروس الخوف؛ ما يذكره ديزموند موريس في (القرد العاري)، حيث يدير المغلوب ظهره للغالب مع الامتنان.

وما يذكره اليابانيون عن عرق الضفدع الناجم عن الخوف والذي يصلح كعلاج للحروق الناجمة عن الحروب، على أن مثال الفئران هو الأكثر ذيوعاً (من يعلق الجرس في عنق القط).

 

2) من دروس الإثارة، فإن الرجل الذي عض كلباً يختصر ما يراد للإنسان أن يكون.

 

3) من دروس السيطرة على المشاهد وتركه يلهث خلف الأخبار خبراً خبراً، تظل أجراس بافلوف والكلب الذي يلهث وراء لحم مزعوم، الدرس المثالي في علم الترويض الجماهيري.

 

أما القطيع الذي يلهث خلف جرس الكبش الخصي فهو الأفضل في لعبة الغرائز، واللا-عقل عند مجاهدي الموساد والمخابرات الأمريكية.

 

هذا على وجه العموم، أما عن حصتنا من إعلام مردوخ والمحافل السرية فأخطر تجلياته:

 

- اعتياد القتل وقطع الرؤوس، وإطلاق الغرائز والتحريض الطائفي، والحط من شأن العقل والاختلاف والذاكرة. ومن ذلك إعلام المشاجرة وصراع الديوك في الاتجاه المعاكس، وإعلام الإساءة المبرمجة لرموز الأمة مثل جمال عبدالناصر.

- اعتياد العدو على الشاشات، وخلط التناقضات والأولويات؛ الرئيسي مع الثانوي، العدو والخصم والصديق. واعتياد الخيانة المرفوعة الرأس، كما لاحظ المفكر الليبي الراحل، الصادق النيهوم.

- إعلام الأكاذيب الذي لم يغادر لعبة غوبلز (اكذب اكذب، حتى يصدّقك الناس).

- إعلام الأضاليل والتفكيك، فيصبح تفكيك الدول والمجتمعات ثورات شعبية، وتصبح المليشيات التكفيرية فصائل ثورية بدلاً عن الجيوش الشمولية، الناظم المركزي لمجاميع لم تؤسس الشرط المدني لوجودها الحر المستقل.

- إعلام يستبيح ما تبقى لنا، فيستعيد الصورة الكريهة التي سوّقها بعض المستشرقين والآثاريين ووضعوها في خدمة الغزاة والمستعمرين. صورة الشرقي المتوحش والمرأة الجارية، القاتل الذي يلعق الدم عن السيوف في حضرة السلطان، والنساء السبايا والجواري في حرملك العثمانيين.

 

تلك هي صورة العصابات التكفيرية وتسجيلاتها على شاشات النفط والغاز (خبر عاجل تسجيل خاص لهذا المأفون أو ذاك).

 

ولا بأس، بل من الضروري تسليط الضوء على أخطر شاشات الفوضى الهدامة، والأعشاب السامة والغرانيق العلى:

 

- الإسلامجي الذي لا يترك شاردة ولا واردة، من شد الرحال إلى ثالث القواعد الأمريكية في تلك الجزيرة، إلى حديث الآحاد في ضرب الرقاب.

- عضو الكنيست الصهيوني القومجي الذي استبدل المقاومة بحقوق مدنية ودولة لكل مواطنيها.

 

وقد تناسلا وتكاثرا (القرضاوي وبشارة) مثل أبناء يعقوب، مؤلفة جيوبهم يميناً وشمالاً وجيلاً فجيلاً ... تكفيريون ومثقفون يبكون على بئر يوسف ويتلون المزامير عليه ترتيلاً.

 

ينهل التكفيريون من الأيام الخوالي في شركة الهند الشرقية، ويحملون كتاب الردة بيمينهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ويمضون على درب يهوه الطويل، رب البراكين والجنود الدموي، ويحبون كما يحب، أقراط راحوب في أريحا، ورائحة الشواء واللحم البشري.

 

أما عن المثقفين، فهم كما الولدان المخلدون، وقد مَنَّ الله عليهم بالشفاء من اليسار، وراحوا يطوفون بين سلاطين النفط والغاز ويسبحون بحمدهم بكرة وأصيلاً.

بالمقابل، إعلام كما الميادين، ناقة الله وسقياها.

 

من المؤكد أن الميادين ليست صفحة خالية من الشوائب، ولكنها تجربة تتقدم كل يوم وتستحق الاحترام والتقدير والإمعان.

 

رسالتها، كادرها، مديرها، وأداء يمضي رويداً رويداً إلى قلب الحداثة والثورة المعلوماتية والمعطيات الجديدة لتحول السلطة وخرائط الشرق ولعبة الأمم من الهضاب الدامية إلى أوراسيا وطريق الحرير الجديد.

 

لهذه الأسباب بالذات، وليس على خلفية تصريح أو موقف بعينه، حاولوا عصب عينيها بشريط أسود لامع كحد البلطات، وأداروا ظهرها إلى حائط الإعدام وقد أعجزتهم الكلمات، ولكن هيهات هيهات.

 

لا استخفاف بامتعاض الممتعضين في مدن الرمل الموصوفة عند عبدالرحمن منيف، لكنه امتعاض وحسب قياساً بما هو أبعد من أرنبة الأنوف مهما كانت طويلة، وأخطر من خماسين لا تلقح زرعاً أو خيلاً في أساطير الجنوب...

 

سادة المال والإعلام وراء البحار، الإمبرياليون عموماً، المردوخيون خصوصاً، وخصوصاً أكثر مانحو الأوسمة الزرقاء في كواليس الفندق الشهير، البيلدربرغ، حيث تعقد الحكومات السرية جلساتها بين الحين والحين، وتنظر بعين العطف لماسحي أحذيتها، أموال طائلة ومقعد في الصفوف الخلفية لا حول له ولا قوة.

 

نعم، لهذه الأسباب بالذات وليس غيرها، أدرجت الميادين على جدول أعمالهم، فنالت شهادة المترددين قبل الشرفاء، وواصلت مسيرتها.

 

رسالة وازنة ومهنة حصيفة وباستعارة الرفيق لينين إلى حد ما: "قلب دافئ وعقل بارد".

وفي الأعم الأعم من سنواتها القليلة الطافحة بالآمال؛ أوراق غضة لكنها وارفة وظليلة قدر الإمكان:

 

- أوراق في الاختلاف والحوارات الرزينة مقابل إعلام الشجار والإنكار والنكايات وإطلاق الغرائز والثارات الصغيرة.

- أوراق تحتفي بالمقاومة مقابل اعتياد العدو على شاشات النفط والغاز، وصرف الانتباه عن فلسطين بألف جمل وصفين.

- وأخيراً ونحن نرفع الصوت عالياً عالياً مع الميادين، نقف مع أنفسنا، مع ذاكرتنا، مع كرامتنا، وحقنا في شاشات مثل ياسمين الشام وحمار الديار.

لا نفط ولا غاز ولا صفقات سرية. لا مسرحيات تستهوي المغفلين في دافوس ومرمرة، فما بين الهلال العثماني والنجمة السداسية جحر لا يلدغ منه المؤمن مرتين.

نقف مع الميادين إذ نقف ضد الابتزاز واحتكار المنابر وانتهاك الحريات، ونستعيد قول الإمام الذي لم يسجد لصنم قط: "أيها الحق لم تترك لي صاحباً".

 

ومن قبل ومن بعد، شتان شتان بين شاشات تحجب الأكاذيب وشاشات تحجب الحقائق ... شتان شتان بين أزهار الشر وأزهار البيلسان.