و دي حتكتبها إزاي.. يا فرويد؟!

علي شهاب

كاتب صحفي وصانع أفلام وثائقية. له العديد من المقالات في CNN بالعربية، "هافنغتون بوست"، "السفير" وغيرها.
فهل يحق لإنسان الألفية الثالثة أن يبدي رأياً بالمُطلق في كل شيء؟ ماذا لو كان رأيه هذا ينمّ عن غباء أو جهل؟ وماذا لو أنّ هذا الغباء والجهل كان قابلًا للإنتشار بسهولة عبر شبكات التواصل؟ وماذا لو أن هذا الرأي الذي يطال نظريات علمية لا يمتّ إلى الأصول العلمية بشيء؟
صار قوم "اللايك و الشير" يَفتون أيضاً في الفيزياء الكمومية وبرامج ناسا الفضائية
صار قوم "اللايك و الشير" يَفتون أيضاً في الفيزياء الكمومية وبرامج ناسا الفضائية
بعد ظهور الفايسبوك والتويتر وشبكات "اللغو" الاجتماعي، بات بإمكان أيّ كان أن يبدي رأيه في أي حدث أو ظاهرة أو فكرة بلا رقيب أو حسيب.

وانتقل هذا "الفيروس المميت" إلى المجال العلمي، فصار قومُ "اللايك و الشير" يَفتون أيضاً في الفيزياء الكمومية وبرامج ناسا الفضائية تماماً بنفس الأسلوب الذي اعتادوا فيه التعليق على "المؤهلات العلمية" لكيم كاردشيان!

ولا يظننّ أحدٌ أني معادٍ للإنفتاح والتوسع فكرياً والتمدد طولاً وعرضاً في معارف وشؤون هذه الدنيا، لكن البحث عن أجوبة دقيقة وفهم العلوم عامةً يتطلب حداً أدنى من المعرفة في مجالاته ومناهجه قبل الخوض في شتم ونبذ نظرياته ورجالاته لمجرد أنهم لا يوافقون أهواءنا.

وتشتدّ هذه الظاهرة أكثر في العلوم الإنسانية بمختلف فروعها، إذ سرعان ما تكتشف أن فرويد ونيتشه ويونغ كانوا "غلابة"، لأن عقولهم كانت قاصرة عن توقع الأسئلة "العميقة" لمثقفي"البث المباشر بالأراجيل" على الفايسبوك ومثقفات الـ"داك فايس" على الـ"سناب شات" والـ"انستغرام".

تخيلوا معي لو كان المسكين سيغموند فرويد حياً في زماننا كيف كان ليشرح جانب بناء الشخصية في نظريته في التحليل النفسي:

"النفس الإنسانية تتكون من الأنا، الأنا العليا، الهو، الناس الحلوة والمعازيم...و اييييييه".

ثم يحاول شرح جانب النمو الجنسي في نظريته، فلا يلبث أن يستسلم رضوخاً عند السؤال الوجودي المأثور عن عادل إمام: "ودي حتكتبها إزاي يا حسين؟".

وهذا يقودنا إلى مسألة أدب الحوار والنقاش في العالم العربي.

فهل يحق لإنسان الألفية الثالثة أن يبدي رأياً بالمُطلق في كل شيء؟ ماذا لو كان رأيه هذا ينمّ عن غباء أو جهل؟ وماذا لو أنّ هذا الغباء والجهل كان قابلًا للإنتشار بسهولة عبر شبكات التواصل؟ وماذا لو أن هذا الرأي الذي يطال نظريات علمية لا يمتّ إلى الأصول العلمية بشيء؟

ولأختصر الكثير من الشرح في هذه النقطة، أنقل لكم ما ابتدعته مخيّلة الأستاذ الراحل غازي قهوجي ذات مرة، حيث ذكر في إحدى كتاباته أن الرسام مايكل أنجلو كان ذات يوم واقفاً في الرواق الكبير للكنيسة، حيث تنتصب جداريته الرائعة.. حين اقترب أحد الزائرين وبدأ بتأملها، وكان تارة يتقدم بخطوة إلى الأمام، وتارة يتراجع بنصف خطوة إلى الوراء، مكرراً ذلك مرات عدة، وفجأة استدار نحو مايكل أنجلو وقال: سنيور أنجلو، هل تسمح لي بإبداء ملاحظة صغيرة، على لوحتك الساحرة؟!

رد الفنان الكبير: ماذا تقول؟ ملاحظة؟ ــ ثم وبعصبية فجة قال: .. تفضل!

ابتسم الزائر، وهو يشير بإصبعه إلى أسفل اللوحة، سنيور أنجلو.. أن رسمك لحجم وشكل «جلدة» صندل هذا الرجل المتكئ هناك، غير صحيح! فبدلاً من أن تكون مبرومة وملفوفة حول القدم من اليمين إلى اليسار، فإنها هنا موضوعة من اليسار إلى اليمين، وبشكل مسطح وهذا خطأ!

وبسرعة سأله أنجلو: حضرتك.. شو بتشتغل؟

أجاب الزائر مبتسماً «كندرجي..!» هنا احمر وجه فناننا الكبير وأسقط في يده وقال: معك حق أيها السيد، أشكرك من صميم قلبي على هذه الملاحظة، وها أنا أقرّ وأعترف أمامك بأنني أخطأت!

وبلمح البصر، ملأ الزهو والشعور بالانتصار عقل زائرنا الكريم، فانتفخت أوداجه وتحوّل إلى طاووس يجول عالياً بعينيه في أرجاء اللوحة.

ثم أشار بيده وهو يتابع ــ فقال: «وهذه الوجوه المرسومة هناك، وهذا اللون، وذاك الشخص..!» وكالصاعقة الحارقة قطع مايكل اأجلو كلام الزائر صارخاً: «هون بتخرس.. خليك بالصندل!".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً