فتوى جَدَلية في كشك مترو القاهرة... نجاسة معنوية!!!

علي أبو الخير

كاتب مصري.
إن القرآن سمّى اليهود والنصارى أهل كتاب، والكتاب هو معجزة النبيّ والأنبياء والدعوة كلها، وبالتالي لا يمكن أن نصدّق زعم مَن يقول بقذارة غير المسلم، فقد تناسوا أن النبيّ عليه السلام قابل وفد نجران المسيحي في المسجد، وأقاموا قدّاسهم داخله وأمام عين النبيّ الكريم عليه السلام، والحديث النبوي المشهور ينصّ على أن الأرض كلها مسجد.
أحد الشيوخ العاملين بكشك الفتوى يفتي فتوى جدلية إلى صحافية مُتنكّرة
أحد الشيوخ العاملين بكشك الفتوى يفتي فتوى جدلية إلى صحافية مُتنكّرة
قال أحد الشيوخ العاملين بكشك الفتوى المتواجد بمحطة الشهداء في مترو الأنفاق بالقاهرة، إلى صحافية مُتنكّرة تعمل في جريدة"الفجر"، رداً على أحد أسئلتها قال :"هل إذا قابل مسلم مسيحياً وسلّم عليه هل بذلك يُنجّسه؟ وهل من المُفترض أن يتوضّأ مرة أخرى، وردّ الشيخ على نفسه: بالطبع لا، لأنه نجّسني نجاسة معنوية مش نجاسة عينية"، وهو ما يعني أن الشيخ الأزهري يعتبر غير المسلمين أنجاساً، ونظراً لأنه مُحرَج من السؤال الجماهيري، قال إنه نجّسه نجاسة معنوية، ولا ندري ما هي النجاسة المعنوية، وما هو الفرْق بين النجاسة المعنوية والنجاسة المادية الجسدية، ربما كانت النجاسة المعنوية هي نجاسة الروح أو العين أو السمع، أما النجاسة الجسدية فهي تماماً مثل القاذروات، هل رأينا إلى ما توصلنا إليه الأفكار المشّوشة، وأين؟ في أكثر مكان جماهيري في مترو أنفاق القاهرة، ولا ندري ماذا سيقول أي شيخ جليل لو سأله سائل خبيث عن الصداقة مع غير المسلم، أو هل يدخل عُلماء المسيحيين النار، كلها أسئلة لابدّ من أن تكون مُحرِجة وسنجد لها ردود أفعال عبثية مثل عبثية من أقام كشك الفتوى.

 

إن النجاسة في الإسلام لا تعني القاذورات، ولفهم معنى النجاسة في معاجِم اللغة، والذي يستقيم مع العقل والدعوة الإسلامية التي أقرّت كرامة الإنسان وحرمتة وطهارة نفسه وجسده، وأن القرآن لا ينصّ أبداً على نجاسة الإنسان حتى لو كان كافراً مشركاً، جاء في شرح القاموس المحيط : "داء نجِسٌ وناجِسٌ ونَجِيسٌ" أي لا يبرأُ منه، وقد يوصف به صاحب الداء، فيكون المعنى أن المُشرك نجس هو أنه كالداء الذي لا يجدي معه دواء، فهو مُعانِد مُتكبّر، فلا نجاسة مادية ولا نجاسة معنوية ولا نجاسة للمرأة الحائض أيضاً.

 

ولكن الفهم المغلوط الذي ساد الأمّة على مرّ عصورها أن غير المسلمين من المُشركين والمسيحيين واليهود وغيرهم أنجاس ممنوعون من دخول المساجد أبداً، وذلك حسب فهمهم للآية القرآنية 28 من سورة التوبة التي تقول: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ  هذا"، وذلك بناء على تفاسير القدامى بأن المشركين نَجَسٌ، أي أقذار قذارة في ملابسهم وأبدانهم حتى لو اغتسلوا ونظّفوا أنفسهم، وهم أيضاً أقذار في أرواحهم لأنهم لم يؤمنوا بالرسالة الخاتِمة، فلا يقربوا المسجد الحرام، وكل المساجد، وبما أن المشرك نجس قذر، فسوف يلوّث بيوت الله بقذاره ملابسه وجسده ونفسه وروحه، وهو أمر لا يستقيم مع تكريم الله للإنسان باعتباره إنساناً أولاً وآخراً.

 

ولأن كثيرين من رجال الدين يعتقدون أن المسيحيين مشركون فهم إذن أنجاس أقذار ممنوعون من دخول المسجد حتى لو كان لدورة المياه، وكم شاهدنا أناساً يطردون مسيحيين لأنهم دخلوا مسجداً لقضاء حاجتهم، كما يعتبرون اللادينيين والعلمانيين واليساريين كفاراً مُشركين، ومن ثم لا يجب دخلوهم أيّ مسجد، والغريب أن المسلمين يدخلون الكنائس مُعزّين ومُهّنئين ولكنهم يرفضون دخول المسيحي أيّ مسجد لحضور عقد قران مثلاً، وذلك بناء على تفسير القدماء الذي استقوه من فهمهم القاصِر لنجاسة غير المسلم، ولا ندري كيف يُبيح الإسلام الزواج من مسيحية أو يهودية وهي نجسة قذرة في مفهومهم.

 

إن القرآن سمّى اليهود والنصارى أهل كتاب، والكتاب هو معجزة النبيّ والأنبياء والدعوة كلها، وبالتالي لا يمكن أن نصدّق زعم مَن يقول بقذارة غير المسلم، فقد تناسوا أن النبيّ عليه السلام قابل وفد نجران المسيحي في المسجد، وأقاموا قدّاسهم داخله وأمام عين النبيّ الكريم عليه السلام، والحديث النبوي المشهور ينصّ على أن الأرض كلها مسجد، فقال النبي "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "، ولو طبقنا هذا الحديث على ما قاله المُفسّرون لحُرّمت كل الأرض على المخالفين من الكفّار والمشركين والمسيحيين والبوذيين والهندوس وغيرهم، وهذا أمر لا يستقيم مع الفهم الديني والدنيوي واللغوي والعقلي.

 

الغريب أن عمر بن الخطاب طرد نصارى نجران، مُستدلاً بحديث مشكوك في صحّته، ثم رُوي في ما بعد في الصحيحين البخاري ومسلم وفي مسند أحمد بن حنبل والطبراني، عن عمر نفسه أن النبيّ قال " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب "، وأنه " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"، وهو الأمر الذي قاد الإمام أحمد بن حنبل ليقول "إذا رأيت ذميّاً في الطريق أُغلق عيني فلا أرى عدو الله"، وهو الأمر أيضاً الذي استند إليه ابن تيميه ثم استندت إليه الوهّابية في قتل المسلمين وغير المسلمين وسبيهم، وهو أيضاً ما استندت إليه داعش وأخواتها في طرد المسيحيين من الموصل وغير الموصل، رغم أن ذلك كله يخالف الشريعة الإسلامية كلها، فلا جديد إذن في ما قاله شيخ الكشك في المترو، وما سيقوله ويقوله غيره في قابل الأيام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً