ياسين الرزّوق

مهندس وكاتب سوري

أحزان سورية في هموم يومية

وها هي الحكومات السورية المتعاقبة خاصة في ظل الأزمة الخانقة لم تبدع حتى الآن أفكاراً جديدة على حجم ما يجري في وطننا الحبيب. وماهذا إلا غيض من فيض مواطنٍ يخشى كسر حاجز الصمت كي لا يغتاله الحمقى ويغرقه الحاقدون في بلدٍ يكابد ما يكابد على المستوى الخارجيّ لأنّه كسر حاجز الصمت والخنوع وقال لا للاستعمار القديم الجديد.

المواطن الذي فقد الأمل بات محتاراً كيف يصل إلى أدنى حقوقه
المواطن الذي فقد الأمل بات محتاراً كيف يصل إلى أدنى حقوقه

لا أتشاءم لكنْ أتحدّث بلسان مواطن سوري لعلّه ألف مرارة الحرب وأيقن تنامي المعنى الميليشويِّ للحياة أي أنّ القويّ يأكل الضعيف والشبيح بمعناه السائد شعبياً يأكل الأخضر ويستبيح اليابس بقطعانه التي تحتمي بظلِّه فلا تُقدِّر شيبة مؤسسة هرمت ولا هيبة يظنونها تداعت وتآكلت بل ولربما حدَّثوك باسمها وضربوا بسيفها.

يشكو الموظَّف السوري علّة الاقتصاد ويجتاحه هوس الراتب الذي فقد عشرة أضعافه وما زال يبحث عن مساعداتٍ إنسانية تنهب أمام عيون محتاجيها الحقيقيين وتؤخذ مُستجرَّة إلى بيوت الكثيرين من أعوان وقطعان تجار الأزمات وبالكثير من الدفاتر الوهمية. والذين يرون في لقمة المواطن الفقير مكسباً ويزيدون على الدولة أعباء الفساد فساداً ويشوِّهون صورتها في نظر المواطن الذي بات يفترش الطرقات ويتضرع إلى القاصي والداني كي يجد بيتاً على العظم غير مكسيٍّ كما يجب للآجار بأسعار جنونية تجعل الاحتكار منهج عيش يكتسب شرعية. وما يشعرنا بالأسى والسخرية بعد كل العوز الذي نعيشه ونحن من ننادي بالوطنية ونُسحق بأقدام سارقيها ونُصعق بكهرباء مطفئيها!!
هو سيل جارف من خطابات نارية من الأحزاب وعند أدنى شكوى يسقط صاحبها في فخّ السين والجيم. وربّما يقترب من المعارض المُهرِّج البهلوانيِّ الذي يُرَوَّج له بالعدالة والصلاح!! وهو يرى  عضو لجنةٍ انبثاقية أو حزبٍ تقدمي أو مسؤولٍ أخطبوطيِّ أو تاجر يتغطَّى بالدين ويرفع الدولار
ويجعل مع البنوك المصرفية قيمة المواطن تتهاوى قبل ليرته، يمثِّل على البسطاء وهو أول من يتاجر بهم تُدَفِّئه عظامنا المتكسرة وجماجمنا التي تغلي فنتساءل متى تأتينا نار التدفئة لتردَّ عنَّا بعض البرد القارس كما كانت النار على ابراهيم برداً وسلاماً !!

ويأتيك مديرٌ تكلفه القهوة والشاي والزنجبيل والمغلي ومستجرات الروح ومزهزهات العقول بعد أن  يأكل حرَّاقُ إصبعه كضيافات مئة ألف ليرة سورية شهرياً ليخصم ساعات العامل الإضافية وحوافزه بحجة التوفير والتقنين وسوء الطالع ونهب المصانع بينما تفرز لأبنائه سيارات المؤسسة للتوصيل وسائقه يضرب بسيفه ويفرِّغ شحناته الوطنية ويقول للموظَّف مثلك مثل المواطن دابتك قدماك ووقودك فكرك وسماؤك سقف بيتك الذي تهدُّه الأزمات !!

وتصيبك بفتقٍ مزمن لجنة حيِّ فقير لا تخضع لأدنى تساؤل بعد التزوير الممنهج للأسماء وبيع المحروقات المخصصة لها في السوق الحر بعد أن يقول لك أبطالها القائمون عليها لا مازوت حتَّى نهاية الشتاء فأين من يدَّعون الحلم كي يستوعبوا المواطن ويسبروا قلبه كي يصلوا إلى محبته
ومحبته ترتعش برداً وتجعله يُسمِعُك اللعن والسباب من شدَّة رغبتها بالدفء وإنارة الشوارع المنطفئة وتزفيت الحفر المبعثرة كي تغدو الحميمية على طريقٍ معبَّدٍ بالمآسي الشائكة؟!

لا أبالغ وأنا أستحضر دمعتي كلَّما تذكّرتُ ذلك المواطن اللاذقانيِّ الذي في إحدى زياراتي لحضور أصبوحة شعرية استوقفني قرب مشروع الأوقاف وسألني هل أنت صحفيٌّ؟! فقلتُ له أنا شابّ سوريّ يكابدُ ما يكابد وهو يرى نذير البطالة يدقُّ كلّ أبواب التصحُّر الفكريّ لدى معظم شبابنا الذين يبحثون عن سمت فيسقطون في آلاف الحفر والمصائد وتابعت قائلاً إنَّ كلّ مواطن سوريّ هو صوت ضميره فإمَّا أن يكون صاحياً بمواطن شريف عانده الفقر واكتسحته الفاقة وإمّا أن يكون قد آثر دفنه كي لا يعود مرة أخرى إلى صرخة إنسانيته في ما لو تمَّ إنقاذها وهو لصٌّ يضع رأسه على مخدَّة الشبع والتخمة.

هذا المواطن والذي كما يبدو قد فقد الأمل فبات محتاراً كيف يصل إلى أدنى حقوقه كمواطن أخلاقيٍّ إنسانيّ وليس كذئب مفترس تعفيشيّ.



أكثر من خمس سنوات والحرب في سوريا مستمرة
أكثر من خمس سنوات والحرب في سوريا مستمرة

في سوريا ربَّما نُكبَّلُ بالخوف ونخشى الحمقى ونحسب حساب الملائكة الزرق لكنْ هل كلُّ هذا مبرِّرٌ شافٍ لنصمتَ عن ليال تؤرقنا بالبرد بحجة الفيول المغتصب بالحرب والمازوت المفقود بِخَطَفَة الصهاريج الليلية أو حتى في وضح النهار من لجانٍ باتت تساوم الحيَّ على حصصه الحياتية التي تقربُّه من عزَّته الحائرة وكأنَّها احتقرت نفسها بالدنس وأرادت وتريد أن تنتقم من المواطن بسلبه إنسانيته وعزَّتَه وراحته وطمأنينته وشرفه ونزاهته كي تدَّعي الشرف عليه ليشتريه منها بثمنٍ باهظ الأوراق بخس المعاني والقيم !!

وها أنا أكمل إحساس المواطن بالفجيعة الذي يتساءل بأسىً وألم أمامي ألسنا بمواطنين؟ وربَّما يكون قد سبق غيره بكثير بأشواط المحسوبيات والميزات المعلومة وغير المعلومة! وهو يقول أنَّ أخته برتبة ضابط سُرِّحتْ تعسُّفيَّاً بعد إصابتها بالسرطان. وبغضِّ النظر صدَّقتُه أم لا لم يكن مجبراً على البوح لشخص لم يعرفْه مسبقاً وظنَّ به إحدى سبل الخلاص لو لم تَكُن الغصَّةُ قد استعصت في حلقه فلم يعد قادراً على احتمال الصمت ولا اختنق وهو يدفع ما فوقه وما تحته كي يؤمن ثمن الجرع الكيماوية التي قال ونظر ورأى بمفهومه وفهمه أنَّ من واجب الدولة تأمينها في المشافي للمدنيين فكيف بمن هم في سلك العسكرة وحماية الحمى والرباط على التخوم والثغور وهو شبه مؤمن بل ومشبعٌ بانطباعاته بأنَّ البعض يسمسرون على أجسادهم وأرواحهم ويبيعون أغلب الجرعات التي ليست لذوي القربى !

ذات مرة حدثني صديقي المناضل وقال لي يومها متهكِّماً أنَّهم لم يجدوا ما يناضلون به فبدأوا بالنضال بك كونك الحلقة الأضعف فشعرت حينها بعمق المأساة واضمحلال المواطنة واختزال الوطنية وبتغييب العمل السياسيِّ المنطقيّ الواقعيّ المنهجيّ. هنا بدأت أسترجع ذاكرتي الشعرية 
وتساءلت أثناء فصلي وخروجي من مؤسسةٍ اشتراكيَّةٍ علمانيَّةٍ كما يفترض، مررت بمكان انحسرت عقول الفكر فيه وماتت قيم الإنسان وتساءلت كيف تقاد الشعوب بغير هذا؟! 
حينها صادفت أسرة تكابد وتكدح ولديها معاقٌ ثلاثينيٌّ مصابٌ بالشلل الدماغيِّ يحتاج في الشهر راتباً أقل ما يجب أن يكون ثلاثينياً ووالده موظَّف ستينيّ براتب ثلاثينيّ فكفرت بالساسة وقلت كيف لدول تخنقها العمائم وتبطش بها المصالح ويجتاحها الفساد والمفسدون وتُسرقُ منها الأحزاب 
والثروات الظاهرية والباطنية وتستباح فيها الكفاءات أن تحقِّق التنمية المستدامة؟!

وها هي الحكومات السورية المتعاقبة خاصة في ظل الأزمة الخانقة لم تبدع حتى الآن أفكاراً جديدة على حجم ما يجري في وطننا الحبيب. وماهذا إلا غيض من فيض مواطنٍ يخشى كسر حاجز الصمت كي لا يغتاله الحمقى ويغرقه الحاقدون في بلدٍ يكابد ما يكابد على المستوى الخارجيّ لأنَّه كسر حاجز الصمت والخنوع وقال لا للاستعمار القديم الجديد فكيف تحصل المماهاة والمحاكاة ما بين السياسات الخارجية والداخلية كي نغدو أمّة مستقلَّة عصرية؟!


إقرأ أيضا