سهى صباغ

كاتبة لبنانية

سيف الرحبي: الكاتب والشّاعر العُماني الآتي من بلاد الأسطورة

مَن يرغب في التأمّل والصّفاء ربما يجد مكانه المُناسب في قراءة "سيف الرحبي"، فالإبداع الذي يفتقد صاحبه إلى التأمّل، لا بدّ من أن يُغرقك بضجيج أنت لست بحاجة إليه ويكفيك ضجيج شارع الحياة.

شجرة الفرصاد، والفرصاد هو التوت؛ كانت موجودة في بيتنا
شجرة الفرصاد، والفرصاد هو التوت؛ كانت موجودة في بيتنا

سيف الرحبي كاتب وشاعر من مسقط عُمان، سافر في مرحلة مُبكرة من حياته وتجوّل بين دول عربيّة كمصر ودمشق وبيروت والجزائر، ومن ثم أوروبا وجزر آسيويّة وغيرها، ليعود ويستقرّ حالياً في بلده مسقط، مع استراحات بين الحين والآخر في سفرات إلى بلاد مختلفة. عاش بين جبال وطبيعة أسطوريّة، سنترك القارئ يكتشف التفاصيل من خلال كتابات الرحبي، وحوارنا معه.  

مقاطع اخترناها من كتاب الرحبي الأخير "شجرة الفرصاد":

(كانت شجرة الفرصاد خاصّة على حافّة الغروب، حين تبدأ العصافير الدوريّة والطيور الأخرى ضجيجها الذي يُمزّق السّكون، لكن من غير إزعاج بل بحميميّة آسرة، في العودة إلى أعشاشها..

.. ويسود السّكون المُطلق الذي لا تُكدّرهدوء لياليه الشديدة الظلام والعتمة، إلا عبور طائرة يصل صدى صوتها التائه بين كواكب ومجرّات، أو عبور شاحنة ركّاب تبعثر حصى الوادي والمياه، باتّجاه وادي (العق) والبلاد البعيدة.. ويبدأ الليل بأخذ مكانته سطوةً ونفوذاً على الأرجاء قاطبة. ذلك النّوع من الليل وظُلماته التي تُغري المُتصوّفة بالإقامة الواقعيّة والرمزيّة وتُغري شعراء الأعماق والهاويات، مهبط الإلهام والإشراق..) 

 

 يقول سيف الرحبي: شجرة الفرصاد، والفرصاد هو التوت؛ كانت موجودة في بيتنا، وهذا العنوان يُجسّد مناخ الكتاب بصورة عامّة. من سيرة المكان والطفولة. أتذكّر في البيت الذي ولدت فيه في عُمان الداخل، الداخل الحجري، الصخري. المنطقة الجبليّة وداخلها واحات نخيل وشجر. تنبت هذه الواحات بطريقة أسطوريّة جميلة جدّاً. كانت  خصبة في الأفلاج والمياه، والأمطار. أتذكّرها بشكل جميل.

يُكمل الرحبي: كان داخل بيتنا شجرة توت بريّة، كبيرة وجميلة تأوي إليها العصافير واليمام والحمام. فكانت البؤرة الدلاليّة للنص الأدبي الذي كتبته. نقطة مركزيّة في الذّاكرة عندي التي انطلقت منها في الكتاب. يُكمل الرحبي: الكاتب يهرب من قساوة العالم إلى طفولته. الطفولة نبع لا ينضب، للكتابة الفنيّة والأدبيّة والإبداعيّة؛ بين فترة وأخرى يرجع بشكل مُحدّد، إلى أماكن هذه الطفولة لينحت في الذاكرة والمكان ويـُطلع منها نصوصاً تتعلّق في تلك المرحلة. أتذكّر في بداية التّسعينات كتبت كتاباً في هذا المنحى إسمه منازل الخطوة الأولى، وأدين بهذا العنوان للصديق الشّاعر حمزة عبّود، وخياله خلّاق باقتراح العناوين، هو مَن اقترح عليّ هذا العنوان.

كتاب "شجرة الفرصاد" يحفر في ذاكرة المكان العُماني ومكان الطّفولة، تتوسّل السيرة وليست سيرة؛ في الوجوه التي مرّت عليه، الأمّ، الأب والخال الذي أهديته  كتابي هذا، إنها كالشّريط السينمائي. يأتي عنصر التأمّل ليُنقذ النصّ من المباشرة ومن الفوتوغرافيّة والتوثيق، إلى مستوى أدبي آخر؛ لا أقول أرفع، فكل فن لديه رفعته، ربما إلى مستوى جمالي آخر. بكل حال العنصر التأمّلي في الكتابة ضروري جداً  يُعطي فرادة شخصيّة.


التأمّل يمنح النّص هذه الهِبة الجماليّة

هو الأتي من بلده مسقط، المعزول جغرافيّاً عن العالم حسبما يصفه
هو الأتي من بلده مسقط، المعزول جغرافيّاً عن العالم حسبما يصفه

(من كتاب شجرة الفرصاد: كان المشهد البحري بكامله يبعث فينا نحن القادمين من بلدات الجبال والصّخور والأودية، دُوار النشوة والغرابة، وكانت الغربان التي تقلّصت إلى الحدود القصوى في الفترة الحاليّة، تتقاسم المكان مع البشر.. إنها تتبدّى أكثر عدداً منهم وسطوة ونفوذاً..)

 

يُخبر سيف الرحبي قائلاً: الآن عندي كتاب جاهز، يصنّف في كتاب الرحلات، لكن هو ليس كذلك؛ يعني مثلاً أكون موجوداُ في البلاد الفلانيّة، الآسيويّة وأنا أذهب كثيراً إلى جزر آسيويّة، أو في ريف أوروبي مُعيّن، لا أصف هذه الأماكن الوصف المسالكي الجغرافي والديموغرافي كما دَرَجت كتابات الرحّالة، وإنما أستخدمه كمنصّة رصد لأحوالنا في الدول العربيّة تاريخاً وراهناً ولأحوال العالم. طبعاً لا ينجو النصّ من التقاطه المشاهد المحيطة في المكان المُعيّن، لكن ليست هذه إلا الّلبنة في البناء الأدبي. أيضاً التأمّل يمنحنا ويمنح النص هذه الهِبة الجماليّة. يعني كيف نستطيع أن نصحوا صباحاً في مكان ما، ونتأمّل حيوات هذا المكان في بشره بطيوره بحيواناته بغيومه. هذا التأمّل فيه شيء شخصي.

يُكمل الرحبي كلامه الذي وكأنه يُصدّق على مضمون كتابه، فيقول:

طفولتنا، لا تختلف عن طفولة أي إنسان في أي بلد عربي آخر وإسلامي؛ من ناحية كتاتيب الدين، الطقوس الدينيّة والشعائر، والقِيَم الأخلاقيّة؛ أعتقد مُشتركات أساسية ولا تقول جديداً، لكن أكثر شيء في عُمان حفر في ذاكرتي هو الكون الطبيعي، وحشيّة الطّبيعة هناك، هي وحشية آسرة وليست مُنفّرة. طبيعة شاقّة لكنّها آسِرة، تدعو للتأمّل. ربما وصفتها أكثر من مرّة، فهي المسوّدة الأولى للخلق اللاّحق للبشريّة أو للخلق الإلهي. ربما ميلي أنا، مزاجي الشخصي في الكتابة، أقرب إلى الوحشية، أقرب إلى الإنسان البرّي والقِيَم البريّة والبدائيّة منها إلى قِيَم التمدّن والتحضّر، يعني جزر الكتابة، وهذا الرأي ليس جديداً، إنما أتبنّاه أنا كمزاج شخصي قالوه أيضاً حتى كتّاب من الغرب، علماً أن المدنيّة واصلة إلى أقصاه عندهم. الطبيعة العُمانيّة، ربما أعطتني البُعد المكاني والجمالي. ميلي ومزاجي يعود إلى هذا الخيار الأقرب إلى البدائية من المُكتسبات المدنيّة اللاحقة. أنا من هذه الطبيعة الوحشية ولكن ربما لا أكتب بهذه الطّريقة. ربّما كاتب آخر من بلد مُتمدّن كثيراً ويكتب بهذه الطريقة.


من عُزلة في الوطن، يبحث عن عُزلة أخرى في بلاد الله الواسعة

"أنا شخص لا أتصوّر نفسي أقدر أن أعيش من دون القراءة والكتابة"
"أنا شخص لا أتصوّر نفسي أقدر أن أعيش من دون القراءة والكتابة"

(دائماً هناك وسط البيوت المأهولة وقريباً منها، منزل مهجور، تحوّل بفعل الزّمن والغياب إلى خرائب تصفر فيها الرّياح، وتتجوّل في جنباتها الأشباح والحشرات، جدران مُتصدّعة وأصباغ تملأ المكان الذي يحمل صفة المنزل المثالي (لحيّاننا الصّالحين) من الجنّ والكائنات اللامرئيّة التي يؤتى إليها بالأطعمة وما يُشبه النذور والقرابين..)

(رفّ صقور يعبر مضيق جبلين في وادي (العق) حيث كان (الندّابيّون) يشكمون ضفّتيه بسلاسل صلبية لصدّ الأعداء.. رفّ صقور ينشر ظلاله على الصّخور الدكناء بينما غيوم تعبر مضائق الوادي لتُفرغ حمولتها في واحات (سرور)..

 

هو الأتي من بلده مسقط، المعزول جغرافيّاً عن العالم حسبما يصفه، يلجأ إلى أماكن أكثر عُزلة في جزر آسيويّة، ويتابع كلامه بهدوء الآت من هناك من بين الجبال الصّخريّة التي تُحيط بقريته سرور، أم، هو عائد من إحدى الجزر التي يقصدها لتأمّل آخر وهدوء أيضاً آخر، وكتابة بين هناك وهنالك، وقراءة؛ يُكمل الكاتب الرحبي حديثه، وكأنه لم يخرج بعد من ذاك التأمّل:  

اللغة آداء. تحدّثت عن النزوع الداخلي لي في هذا النوع من الكتابة، هو نزوع برّي أكثر منه نزوع مديني. أما اللغة فهي في النهاية، تعكس هذا الكون البرّي لكن في أدوات مُتطوّرة. أدوات أنجزتها الحداثة، بعيد عن الثرثرة الإنشائيّة، بعيد عن البلاغة التقليديّة، بعيد عن البيان والمحسّنات التي تجاوزها الزمن.

الكتاب في النهاية محطّة أو جزء من محطّة في مسار الكتابة. يتابع سيف الرحبي: أنا شخص لا أتصوّر نفسي أقدر أن أعيش من دون القراءة والكتابة، والقراءة هي الأساس أيضاً. الكتابة هي نوع من قراءة أخرى للواقع وللكتب أيضاً. لا أتصوّر نفسي خارج هذا المجال الجمالي الحيوي، وإلا الواحد "رح يفطس" "رح ينتهي" "ينطفي" داخلياً وعلى طول ينطفي جسديّاً. هذا الكتاب هو لِبْنَة في هذا السياق الذي أشتغله.