عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

دعوة لمُحاكمة المرزوقي

لماذا لم يتّخذ المرزوقي إجراءات على خلفيّة ما حدث في الهجوم بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة؟ وما الذي دفع وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي إلى الاستقالة بعد الهجوم بأيام؟

  • شهادة المرزوقي أشعلت حرباً من التصريحات
في شهادته على العصر قال المنصف المرزوقي إن الهجوم  على السفارة الأميركية يعتبر مرحلة مفصلية ويمكن اعتباره من أخطر الأزمات التي مرت على الدولة التونسية. واتّهم المرزوقي قائد الجيش رشيد عمار بعصيان أوامره بعد رفضه إقحام الجيش في المسألة. تصريحات اعتبرها البعض هجوماً عنيفاً على الجميع بعدما اتهّم رئيس الحكومة آنذاك حمادي الجبالي أيضاً بالتهرّب من المسؤولية ووزير الداخلية آنذاك علي العريض بالاختفاء وقت الأزمة.

هذه الشهادة أشعلت حرباً من التصريحات وصل مداها إلى رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي الذي وصفها بأنها "فضيحة مخجلة". عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع  الأسبق ردّ على اتّهامات المرزوقي باتّهام يرتقي إلى مستوى "خيانة دولة" بعد أن أكّد في بعض الصحف المحلية أن المرزوقي و"حاشيته" سمحوا باستقدام المارينز إلى التراب التونسي وأن التصريحات التي بدرت من رئيس الجمهورية السابق هي محض افتراءات  وأنه مستعد للتخلّي عن واجب التحفّظ.

قائد الجيش السابق رشيد عمار دخل على الخط أيضاً عندما أكّد لوسائل إعلام محلية أنه أعلم وزير الدفاع الأسبق عبد الكريم الزبيدي أنه سيأمر بإطلاق النار على كل طائرة إنزال أميركية تدخل جنوداً أميركيين إلى تونس كما دعا الجنرال إلى نزع صفة رئيس الجمهورية السابق من المرزوقي.

رئيس الديوان الرئاسي السابق عماد الدايمي كان له نصيب في حرب التصريحات حيث نشر تدوينة على فايسبوك قال فيها "كنت مع الرئيس المرزوقي عندما اتصلت به هيلاري كلينتون في حدود السادسة وكانت في حالة كبيرة من الارتباك وطمأنها بأن الأمن الرئاسي بصدد التدخّل وإن الأمور ستتّجه الى الحل. وطلبت منه إرسال فيلق للتدخّل ورفض ذلك مؤكداً أن الامن الرئاسي سيؤمّن السفارة والسفير ولا حاجة لأيّ دعم خارجي"

لم تقتصر حرب التصريحات على السياسيين بل شهدت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بين مَن يدعو إلى محاكمة المرزوقي بتهمة إفشاء أسرار الدولة على قناة أجنبية ومَن يدعو الدولة التونسية إلى نشر الحقائق وتنوير الرأي العام.

تداعيات الهجوم على علاقة الإدارة الأميركية بالإسلاميين

جاء الهجوم على السفارة الأميركية في تونس، بعد يوم واحد من هجوم مماثل على القنصلية الأميركية في بنغازي، لكن كان أكثر ضراوة ودموية، خلّف مقتل السفير الأميركي وعدد من موظّفي السفارة، وكان المهاجمون في ليبيا ينتمون لتنظيم سلفي جهادي، أي تماماً كمهاجمي السفارة في تونس. وكأن خطة مُحكمة كانت وراء الحادثتين. وقد ألقى مقتل السفير الأميركي بتأثيرات كبيرة على السياسة الأميركية في المغرب العربي، خاصة في الدول التي شهدت تغيّرات سياسية جذرية أسقطت الأنظمة في العام 2011.

إضافة إلى أن الهجوم نتج منه بعض البرود في العلاقة بين الإدارة الأميركية وحكومة الترويكا التي كانت في أغلبها تضم إسلاميين من حركة النهضة، فإنه كان خطأ أضيف إلى قائمة طويلة من الأخطاء التي أسقطت الإسلاميين عن الحكم وجاءت بحكومة تكنوقراط. كما أن الحكومة التونسية تنازلت مُجبرة عن قطعة الأرض التي بُنيت عليها السفارة الأميركية في تونس كتعويض للإدارة الأميركية عن الخسائر التي وقعت، هذا القرار نتجت منه موجة غضب عارمة في ما تقول وثائق ويكلكس المُسرّبة أن الحصول على الأرض كان هدف الأميركيين منذ سنة 2007.

تعليقاً على تداعيات هجمات السفارات الأميركية يقول الكاتب والصحافي أحمد نظيف في تصريحه للميادين نت "منذ ذلك الوقت تغيّرت السياسة الأمنية الأميركية في المنطقة، نحو مزيد من التدخّل المباشر في قيادة المعركة ضدّ الجماعات الجهادية في كل من تونس وليبيا. فقد بدا واضحاً أن الحكومات الجديدة المدعومة بقوة من إدارة أوباما، قد فشلت في أن تكون بديلاً للأنظمة التي سقطت، بل فشلت حتى في تأمين سفارات. والمفارقة أن السفير القتيل في طرابلس كان من بين الذين قدّموا الأسلحة للكتيبة التي هاجمت السفارة الأميركية، عندما كان عناصرها يقاتلون ضد القذافي في 2011.أصبحت القوات الخاصة الأميركية تقوم بعمليات مباشرة ضدّ القيادات الجهادية، من خلال إنزالات مباشرة، ضدّ أبو ختالة الليبي المُتّهم بقتل السفير، وأبو أنس الليبي في طرابلس والمُتّهم بتفجيرات نيروبي ودار السلام في 1998 وغارات ضدّ مقار ومعسكرات تابعة للقاعد وتنظيم الدولة في الجنوب الليبي وفي الغرب في مدينة مصراته. كما تدخّلت مباشرة من خلال الطائرات من دون طيّار وطائرات الاستطلاع في رصد الجماعات الجهادية في ليبيا وتونس." هذه الحقائق تدفع نحو إشكالية ما إذا كان هناك فعلاً تنسيق بين الإدارة الأميركية والجماعات المسلّحة في ليبيا قبل الهجوم.

المحكمة العسكرية في تونس فتحت تحقيقاً حول صحة ما صرّح به المرزوقي في شهادته على العصر وبين ما يقوله هذا الأخير وما يؤكّد وما ينفيه آخرون، تبقى الحقائق في تونس رهينة المصالح ووضعيّة مالك الحقيقة ما يدفع الكثيرين إلى التساؤل: لماذا لم يتّخذ المرزوقي إجراءات على خلفيّة ما حدث في الهجوم بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة؟ وما الذي دفع وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي إلى الاستقالة بعد الهجوم بأيام؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً