محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الاعتراف بالذات

إن الحياة البشرية ليست محصورة في الوعظ السياسي كما يبدو في الدول الغربية اليوم كذباً، وليست محصورة أيضاً في الجانب الديني كما يروّج له أدعياء الإسلام، هناك أمور قرّرتها الشريعة بل الشرائع، ولا يجوز التعاطي معها بما يخالفها.

الصين في طريق السيطرة على الاقتصاد العالمي
الصين في طريق السيطرة على الاقتصاد العالمي

وهناك عدّة مجالات مفتوحة على الواقع البشري وللعقل فيها أهم المساحات، والذين ينظرون إلى هذا المُصطلح بمنظار التكثيف للحُكم الشمولي من دُعاة الحُكم السلالي هم أيضاً على غير هُدى، والذين قرأوا "الديمقراطية" بتاريخها من خلال قراءة المنشأ، والمسار الذي أخذته عبر مراحل تطوّرها وتكوينها هم أيضاً يلعبون بالأوهام أكثر مما ينظرون إلى الفكر الحر، وذلك لأسباب ثقافية أيضاً. لأنهم هنا يقرأون تاريخ الغرب  لا تاريخهم. 

بسؤال وحيد، هل هناك أمّة على وجه الأرض تنصّلت من ذاتيّتها وأخذت طريقها صعوداً نحو مفهوم ما يُشاع اليوم من حرية وديمقراطية؟  أم أن الأمر لا يتعدّى التغنّي بالشعارات والدوران في الدائرة المُغلقَة..؟ الصين مثلاً لازالت إلى حد الساعة تأخذ بالمذهب الاشتراكي وفق رؤيتها الخاصة، وهي دولة تنافس الولايات المتحدة الأميركية، وربما هي الآن في طريق السيطرة على الاقتصاد العالمي، ولازالت تحكم وفق ثقافتها وقناعتها وتحاول قدر الإمكان بسط رؤيتها هذه بمفهوم إنساني اجتماعي على العالم الخارجي.

إن المأساة إذن، ليست في التبعية لا من حيث المصدر الفكري ولا من حيث المنطق التاريخي، بل وهذا هو المهم هي من حيث عدم الاعتراف بالذات والعمل على الأخذ بها ومنها، والعودة إليها وقت الظروف الأكثر احتراقاً و تأزّماً.

نعم للاحتواء الداخلي لأنه مصدر وجودنا وساحة وعينا، ومساحة ترابط الفكر الديني بالفكر السياسي في وعي كل منهما حسب منطق الاقتضاء، وحسب منطق الأشياء أيضاً، وأن نجعل من الحرية الدينية والاعتراف بالرأي الأخر أهم منطلق لفهم حقائق التطوّر وثقافة العصر، ولا أقول هذا دعوة إلى فهم الجديد بما يطرحه ولكن بالنتائج المُحصّلة منه، وبالمعرفة الحضارية التي ننتمي إليها حتى لا تبقى مقولة العابثين "التاريخ في المزبلة" مجرّد مقولة مجرّدة رغم ملابسها العنصرية، وجذورها "الفرانكوفيلية". كما حدث في الجزائر ذات مرة.
  

وإذا كان واضحاً، وأظن – وليس كل الظن إثم – إنه كذلك، فإن هناك إشكالية مطروحة اليوم، ألا وهي إشكالية العولمة، وأقول كذلك لأن البعض يرى فيها الهيمنة الكليّة، وأنها قَدَر محتوم، في حين هي كظاهرة فكرية ليست جديدة، والجديد فيها هو فقط الاحتواء الأيديولوجي ذي النزعة الاستعبادية.. العولمة الأميركية هي الخامسة في تاريخ العولمات وهي الأولى من نوعها بالمعايير المختلقة التي عرفتها البشرية فيها، ولكن العولمة الأميركية نفسُها قد تغيّرت، بل إنها تطوّرت إلى نظام أكثر فوضى وأقل مساواة عما توقّعه العديد من الاقتصاديين كما يقول أحدهم.

فقد ظهرت العولمة الأولى في بلاد الإغريق، وكانت قائمة على مبدأ الفلسفة أي الثقافة بوجه عام، و قد شملت العالم كله، و لازال جزء منها يُهيمن إلى اليوم، فلا أحد بإمكانه القول بغير منطلقات سقراط في الفلسفة، وإقليدس في الرياضيات مع التجديد الذي لحقهما.. وكانت الهجرة البشرية فيها من الشمال إلى الجنوب، والهجرة مصاحبة في أكثر من الأحيان إلى العولمة، ثم جاءت العولمة الإسلامية وكانت عولمة شاملة، (الفكر الديني والفلسفة، والعلوم) وكانت العولمة الإسلامية قائمة على مبدأ الإنصاف والتوحيد، ولذلك تقبّلها العالم بما فيه آنذاك من إمبراطوريات لها وزنها المعرفي والحضاري، بل أكثر من هذا انصهرت فيها العولمة الإغريقية انصهاراً كلياً، وكانت الهجرة فيها من الجنوب إلى الشمال ثم إلى أنحاء المعمورة كلها حتى شملت القارات الخمس، وفيها تحرّرت البشرية من العبودية إلى أكثر المساحات الفكرية ذات النزعة التحرّرية، وإليها يرجع الفضل في بناء عالم متوازن من حيث القِيَم، ومن حيث الأفكار.. ثم جاءت بعدها العولمة الأوروبية الاقتصادية مع ظهور" الماكنة" والمؤسّسات الاقتصادية والمصانع (الثورة الصناعية) بحيث احتاجت إلى التوسّع بحثاً عن المادة الأوليّة وأسواق لتسويق منتجاتها، وكانت الهجرة فيها من الشمال إلى الجنوب، وقد استفادت منها أوروبا لوحدها لأنها كانت بداية أو مقدّمة للاستعمار.. ثم جاءت العولمة الاستعمارية المبنية على عناصر الاستعمار الثلاثة.. الأرض، والإنسان، والثقافة (الجزائر نموذجاً) وهي من أسوأ ما عرفه العالم، ولم تتحرّك الدول المُستعمرة الى الخلف إلا بعد قرون من المقاومة للاستعمار، ورغم ضعفها ظلّت تحافظ في الخفاء على ذاتيّتها وهويّتها الحضارية والفكرية.. ونتيجة للتطوّر الذي حصل بفعل الثورة الصناعية والتقاء الشعوب بعضها بالبعض لم تعد صورة الاستعمار مقبولة، بل وبعد الحرب العالمية الثانية اتّفق الجميع على رفضها ودعوا جميعهم إلى ما يُعرَف بتقرير المصير للشعوب.

وبعد مخاض عسير و صراع مرير، خاصة في ما عُرِف بالحرب الباردة، وبعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، جاءت العولمة الأميركية، كظاهرة عدائية صاحبت فكرة الدولة الكونية، وهي عولمة استعمارية بشكل دراماتيكي وتم بناؤها على أنقاض الأشلاء، وحتى دور العبادة، ذلك أنها استندت هذه المرة إلى الأرمادة العسكرية لأميركا، وتفوّقها الاقتصادي، إنها بأقصر التعبير أعادت الإنسان إلى عصر الفوضى من جديد، وهي تدفع به بالتوالي إلى حروب، المقابر فيها أطول من مساحات حقول القمح والشعير، لكن وبكل أيمان، فإن هذه العولمة الرافضة للتنوّع الثقافي والأخلاقي والاقتصادي إذا ما تمسّكت المجتمعات بذاتيّتها وعرفت كيف تصمد في وجه الإعصار الانحلالي الذي تحرّكه باتجاه اللامبدأ، واللاأخلاق، واللاإنسانية، فلن يأخذها منها شيء، وفعلاً هناك تحرّك واسع لمواجهة أميركا، وهناك اليوم مخاض بدأت نتائجه تطفو على السطح لإنشاء عالم مُتعدّد الأقطاب، وما فشل أميركا في الشرق الأوسط وظهور روسيا والصين وإيران من جديد على مسرح الأحداث إلا بداية لهذا المولود الجديد، بل إن أميركا ذاتها تعاني من سرطان الانهيار الأيديولوجي والأخلاقي، إذ لم تعد للقِيَم بما فيها القِيَم الديمقراطية أي معنى، وهذا دليل تراجع ودليل تساقط للأوراق التي حاولت أن تلعب عليها باسم العولمة أحياناً، وباسم الحرية أحياناً أخرى.