أحمد أشقر

باحث في الديانات المقارنة، ومترجم عربي - عبري. كتب العديد من المقالات والكتب. له أربعة كتب منها: مكانة النساء في العقائد اليهمسلامية- من المسؤولية عن الخطيئة الأولى إلى التبرئة؛ وقصة لوط التناخي وديناميكية العداء للآخرين.

سهيل أبو نوّارة... الفلسطيني تحت تُراب ياسمينة شامية

سهيل أبو نوّارة المولود قبل النكبة بثمانية سنين، أكبر منّي بعقدين من الزمن والوعي والاهتمام والمنهج. رأيته بشعره الطويل أول مرّة عام 1988 عندما بدأت العمل في الصحافة في "مكتب يافا للتوثيق والخدمات الإعلامية" في القدس.

سهيل  أبو نوّارة المولود قبل النكبة بثمانية سنين، أكبر منّي بعقدين من الزمن والوعي والاهتمام والمنهج
سهيل أبو نوّارة المولود قبل النكبة بثمانية سنين، أكبر منّي بعقدين من الزمن والوعي والاهتمام والمنهج

لا، لم أكن من مجايليه ولم ألعب معه في الحارة ولم أُخيّم معه في جبل الطور. لم أكن معه ضمن جماعة النوتردام أو جماعة صلاح الدين التي تثقفت على غالبية أدبياتها. لم تترك خناجر وسكاكين النكبة ندوبها بي ولم تعتمل بوجداني كما اعتملت في وجدانه إلى آخر يوم في حياته. "حولّتنا إلى حطام. هذه الناس التي تراها في كل مكان بوعي مغيّب وكأنها ترقص في جنازتها. عندما تفهم وتدرك هذا تعرف ما معنى أن تبقى عارياً يتيماً بين ليلة وضحاها!" هكذا اعتاد على وصفها.

سهيل  أبو نوّارة المولود قبل النكبة بثمانية سنين، أكبر منّي بعقدين من الزمن والوعي والاهتمام والمنهج. رأيته بشعره الطويل أول مرّة عام 1988 عندما بدأت العمل في الصحافة في "مكتب يافا للتوثيق والخدمات الإعلامية" في القدس؛ هذا المكتب الذي كان يملكه ويديره كلاً من الصديقين جورج خليفي وزياد الفاهوم. مع الزمن تبادلنا طول الشعر أنا وإيّاه. توطّدت علاقاتي معه عندما أرسلني الصديق جورج لكتابة تقريرعن معرض للرسم نظّمته المرحومة والدته السيّدة مريم أبو نوّارة (أم جريس). ومنذ ذلك اليوم التقينا على انفراد أو مع أصدقاء مُشتركين مئات المرّات تبادلنا كل أنواع الحديث من الهزلي مروراً بالشطط إلى الجادّ الذي يرتقي إلى مصاف النصوص الفكريّة.

عرّفني سهيل على ما هو جديد أحياناً وقصّر طريقي المعرفي أحايين أخرى؛ عرّفني على ضرورة تعلّم الإصغاء إلى الموسيقى الكلاسيكية، فأحببت كثيراً سيمفونية 1812 لتشايكوفسكي (1840- 1893) تحديداُ صوت المدافع التي تطرد المُحتلين الفرنسيين من روسيا عام 1812. عرّفني على صوت الراهبة ماري كيروز، الصوت الأجمل عند العرب حالياً، الذي يأخذ مُستمعيه إلى جولات روحية ووجدانية ومعرفيّة عميقة.

عرّفني كذلك على صاحب اللامنتمي، كولن ويلسون (1931- 2013)، حينما دفع إليّ روايته إله المتاهة لقراءتها. وإله المتاهة رواية تتحدّث عن سيكولوجية الشذوذ الجنسي، إلا أن لسهيل رأي مختلف كما سمعته أكثر من مرّة: "لاحظ، إنه يمسك بمئتي خيط ولون ويغزل بها نصّاً رائعاً". بعدها حصلت على كل أدبيات ولسون وقرأتها. كان ويلسون صديقاً لمشروع أمُتنا العربية التحرّري. وكثيراً ما صدرت ترجمة كتبه إلى العربية مُتزامنة مع النصّ الإنكليزي لأنه كان يدفع بفصول عمله تباعاً إلى جاره المُترجم الأديب يوسف شرورو (1937- 2001) في إحدى ضواحي لندن. ذاعت سمعة ولسون عام 1956 عندما نشر عمله الأول، اللامتنمي، الذي عرّى فيه مُفكّري مجتمع الحداثة (...). كان ويلسون جريئاً إلى أبعد حدّ حين كتب في عمله سقوط الحضارة 1971، أن الفلسفة الحديثة لم تضف فكرة واحدة على الفلسفة الكلاسيكية، وكل ما قامت به الفلسفة الحديثة هو إعادة ترتيب وتوضيب أفكار الفلسفة الكلاسيكية، لا أكثر.

عرّفني على رواية فقهاء الظلام (1985) لسليم بركات، التي طالما وصفها سهيل بالمعادل العربي لرواية مائة عام من العزلة لماركيز (1927- 2014)، وكذلك رواية فقهاء الظلام التي وإن غدت رواية غرائبية إلا أن بطلها هو اللغة بامتياز. بركات الكردي الذي يتحدّث الكردية كلغة يومية دارجة ويكتب بالعربية الفُصحى امتلك نواصيها بامتياز. قام الجنرال الدكتور متتياهو بيلد (1923- 1995) بترجمتها إلى العبرية عام 1994. والحقّ يُقال أنه أتلفها بجعل لغتها شبيه بلغة الصحافة اليهودية اليومية. وبيلد الذي يعرفه العرب كعضو كنيست في الحركة التقدّمية للسلام (1984- 1988) زميلاً لمحمّد ميعاري في الكنيست (1984- 1992) وأستاذاً للأدب العربي في جامعة تل أبيب، إضافة إلى كونه عضو هيئة الأركان العسكرية الإسرائيلية عام 1967، ويذكر عنه أنه الأكثر صقورية وعدوانية في شنّ العدوان على مصر.

عرّفني سهيل على الكثير من القضايا والناس. وعلّمني أيضاً الاستمتاع بالأدب عبر قراءته كقارئ عادي وليس كباحث. قبل سنوات كان قد دفع لي جدارية (2001) محمود درويش (1941- 2008) لقراءتها، لكن ليس قبل أن يقول لي: "أترك عقلك الباحث واقرأها كقارئ عادي للمتعة". قرأتها، وعدت إليه لأخبره بأنها جميلة. إلا أنه كان مُتشكّكاً بتقييمي لها. لكن عندما قلت له إن الجدارية تنطلق موسيقيّاً من دون أن تتمكّن من التحليق، عندها ضحك وبدأ يشرح لي علاقة درويش مع الموسيقى الكلاسيكية كما عرفها هو عن قرب عندما عاش الاثنان في حيفا في أواخر ستينات القرن المنصرم. فهمت، كان ينصحني دائماً بعدم قراءة النصوص الأدبية بعقلية الباحث، إلا أنني كنت أغدر به مثل كل فلسطيني غرّ وأحمق يعتقد أن جلجامش سيجد شجرة الخلود في صحراء النقب.


ضاقت الدنيا بسهيل، فغادرنا إلى الدار الآخرة في آذار/مارس الماضي من هذا العام، 2016. كانت سنواته الأخيرة عِجافاً لأن المرض أقعده وحدّ من قدرته على الحلم. كانت سنوات سهيل العِجاف مُتلازمة مع سنوات الأمّة العِجاف، الأمّة العربية التي أحبّها كثيراً وكان يريد أن يفتخر بالإنتماء إليها علناً (...). لكن ما العمل والوحوش التي كانت خلف الباب المُغلق- في إحدى نصوصه غير المنشورة- كانت قد حطّمت الباب ودخلت البيت وباتت تتلذّذ تلذّذاً مرضيّاً بتدميره وحرقه! ولولا ياسمين الشام الذي تحوّل إلى بارود ودمّ لما بقي أثر لهذه الأمّة التي تمتد مقابرها بطول صدى مآذنها.

كان سهيل سريع البديهة ونقديّاً إلى أبعد حدّ. عندما كان يُعطي رأيه بقضيّة ما لم يَعتد على تكرار ما قاله الآخرون، بل كان يُقدّم موقفاً مُغايراً وعادة ما يكون جديداً وليس في بال الآخرين. وعندما لم يكن لديه جديداً، كان يصمت. ورغم سرعة بديهته ونقده الحاد كان سهيل خجولاً إلى أبعد حدّ أيضاً، وعندما كان يشعر بالخجل كان وجهه يحمّر كالدمّ. كان يُجيد الإصغاء جيّداً ولم يَعتد على مُناكفة مُتحدّيثه، وكان يثق بأصدقائه.

كان سهيل حداثيّاً بامتياز. فقد ثار ثورة واعية على كل موروث تمكّن من التعرّف على شيفراته وحلّها والاستفادة منها. ثار سهيل على القِيَم الطائفية والتقليدية واعتبرها مُعيقاً في طريق التطوّر. فقد كانت قناعاته القِيَمية نابعة من إرادته الحرّة. وهنا لا بأس من القول أن فيلسوف الأخلاق، كانط (1724- 1804)، اعتبر الأخلاق مبنية على الإرادة الحرّة. وهذا ما قاله أيضاَ جدّنا عبد الله بن المقفّع (724- 759) قبل كانط بألف عام. إن أخلاق الحداثة لا تمتّ بصلة إلى الأخلاق الدينية، لا بل يمكن القول أن الأديان عديمة الأخلاق في المفاهيم الفلسفية.

لم يتقيّد سهيل بقواعد اللغة الحجرية، ولم يهتم كثيراً بقواعد سيبويه (765- 796) ولا بألفية ابن مالك في النحو والصَرف (1203- 1274). كان يقول أنه يكتب على السليقة. لكن الأمر لم يكن بمثل تلك البساطة التي يصفها. فقد عمل على تفجير اللغة من الداخل مُطَّوِّعاً إياها لتخدم فكرته واللوحات الجميلة التي كان يرسمها. وأصبح تفجير اللغة جزءاً من اهتمام علم اللسانيات الحديثة. لم يميّز سهيل بين اللهجة العامية التي نشر بها مؤخراً مسرحية "بيت الرجال" والفُصحى التي نشر بها مسرحيته الشهيرة زغرودة الأرض وبعض نصوصه الأخرى. فلم تكن اللغة عنده أداة تعبير فقط كما يحلو لبعض الكتّاب وصفها، بل كانت أداة كشف عن المكنونات الواعية واللاواعية للكلمات والأحداث والصوَر التي ترد في النصّ.

 

اعتبر سهيل الكتابة الأدبية والفنيّة عملاً يجب أن يكشف عمّا يدور في وعي ووجدان الفرد والأفراد المعنيين في النصّ. لذا كان يتدرّج في جانرات (أساليب) الكتابة من البسيط إلى الأرقى ثم الأكثر رقيّاً. كان يعتبر المقال الصحفي أبسطها، ثم الرواية فالشعر فالمسرح الذي يعتمد الأفكار وتعدّد الأصوات.

 

كان سهيل يعتبر الرسم استخداماً للّون. "الرسم هو اللّون"، كما كان يردّد دائماً. كان يعتبر الرسم حوار الذهن والروح مع الألوان، ويرفض تصنيفه ضمن أيّة مدرسة أو تيّار ويحتقر كل مَن يقول له أنه يكتب أو يرسم لدوافع وطنيّة. فقد كره واحتقر هذا النوع من الناس، وكان يُردّد أمامهم: اذهبوا للعمل في السياسة. الفنّ عالم آخر له مُحدّدات بعيدة كل البعد عن السياسة، يبدأ بالوعي والوجدان والروح لتغدو فكرة جديدة لم يفكّر الفنان بمجملها. وقد جسّد هذه الفكرة بدقة متناهية في لوحة أسماها "الطريق". كنت، أثناء زياراتي إلى بيته، أقف وأتمعّن كثيراً في "الطريق". وطريق سهيل ليس متاهةّ؛ طريقه عبارة عن أن يتحوّل الفرد (في انطلاقه من الواقع) إلى إلاه مُبدِع (مُتمرّد على هذا الواقع مع الاهتمام بالبعدين الذاتي والجمالي)، فيقدّم عملاً لم يكن قد فكّر به عندما بدأه. والفرد الإله هو ما صَبَت إليه الماركسية (...). وأعتقد أن موقف سهيل من الفنّ بشكل عام كان مُتأثّراَ بهربرت ماركوزة (1898- 1979) الذي عرّفني عليه أيضاً.


لم ينشر سهيل الكثير مما كتب، ولم يعرض الكثير مما رسم. وأعتقد أنه لم يُنظّم إلا مَعْرضين في حياته كلّها، لكنه ترك لنا إرثاً عظيماً من اللوحات التي رسمها تبلغ آلاف اللوحات. وترك لنا كذلك مئات النصوص، التي لم يتمكّن من إحصاء عدد الصفحات التي كتبها، من كثرتها، فكان يقيسها بالمتر! وأعتقد أنها تجاوزت المتر الواحد. أي عدّة آلاف من الصفحات. إرث سهيل موجود الآن في حوزة شقيقه الصديق رمزي. وأثناء تقديمي واجب العزاء لرمزي وعائلته اقترحت عليه أن يقوم باختيار مجموعة من أصدقاء سهيل من الكتّاب والفنّانين لتحرير نصوصه ونشرها وترتيب لوحاته في معارض وفقاً للمواضيع التي تناولتها، فوافق. هنا آخذ على عاتقي الإسهام بالمجموعة. وأقترح على مَن هو قادر على الإسهام بهذا العمل الحديث مع رمزي. علينا أن نذكر أيضاً أن رمزي كان المُحرّك الرئيس لنادي السينما في المركز الثقافي البلدي في الناصرة في ثمانينات القرن الماضي. ربما يوم نَشر أعماله يصبح يوم عرس سهيل؛ وعرس سهيل الذي حلم به مراراً وتكراراً عبارة عن إضافة فصل جديد على "زغرودة الأرض" يعرض فيه العرس الفلسطيني كعمل مسرحي يكشف عن الوعي الجَمعي للشعب الفلسطيني، كما أشرت إليه في مقال حول العرض المسرحي للزغرودة عام 2001. عندما كان سهيل يتحدّث عن العرس كنت أتخيّل فرسان الكنعانيين تخرج من معابد وقلاع أوغاريت وغزّة وبئر السبع وأسدود وعسقلان لتجتمع في مهرجان عظيم بمرج ابن عامر. لِمَ لا؟

وزغرودة سهيل نادرة مثله. فقد كتبها خلال شهر من الزمن في مكتبة صلاح الدين في القدس، كما أخبرني قبل أيّام الصديق حسيب النشاشيبي: "كان يكتب ويدخّن ولا يتحدّث مع أحد إلا نادراً". وحسيب مُثقّف من طراز رفيع في التاريخ والسياسة. وكانت الزغرودة ضمن المتاع القليل الذي أخذه محمود درويش عندما غادر البلاد عام 1970. ولم يمضِ وقت حتى نشرت مجلة الطريق، المجلة الفكرية للحزب الشيوعي اللبناني، المسرحية في أحد أعدادها. ولم يمض وقت طويل- كما أخبرني أحد الأدباء الذي عاش مع المقاومة في تلك الأيام- حتى مسرحها الشاهد الشهيد، غسّان كنفاني (1936- 1972)، وتم عرضها في بيروت. وكذلك فعل المسرح الحديث الذي تشكل في الناصرة في أوائل سبعينات القرن الماضي في الناصرة. وكما سمعت من الذين عايشوا تلك الفترة كان الناس رجالاً ونساء يأتون من القرى لمشاهدة الزغرودة. وقام مسرح الميدان بمسرحتها عام 2001، وفي حينه نشرتُ مقالاً نقديّاً عن العرض بعنوان: "الوعي الجمعي- حضوره في النص وغيابه عن المسرح" (...) فيعود سهيل من تحت التراب ياسمينة شامية ربما تنثر عطرها في نفوس الناس ما أن تنجلي رائحة البارود وتتهذّب الغابة.

 


المعرض