عايدة سميح الصعيدي

كاتبة لبنانية

برنامج التربية المدنيّة في النظام اللبناني: ماضياً وحاضراً

ينضج هذا التعريف بهوية "العدو الإسرائيلي" ووجوب مقاومته في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة الأولى من التعليم الثانوي من مدخل "حقوق المواطن وواجباته ومسؤولياته السياسية"، ومنها حق "المقاومة الوطنية ضدّ العدو الصهيوني" كواجب ومسؤولية.

  • إنها التربية التي تنقل المجتمعات من ديجور الجهل إلى فجر المعرفة فتتحرّر العقول
يُشاع، خطأً، استعمال مفردة " منهاج" للدلالة على مضمون مادة تدريسية بدلاً من المفردة الصحيحة "برنامج". إن الاختلاف بين المعنيين كما هو بين  المفردتين: "المسلك" و"المضمون". هذا ما يبنى عليه لغوياً وفقاً للقاموس: "محيط المحيط" في شرح معنى "منهاج" كما يأتي:"الطريق الواضح"  و"انتهج الرجل" بمعنى "سلك".

البرنامج هو العنوان الأشمل للسلوك المؤدّي إلى الأهداف والغايات، وفيه أيضاً تحديد الطرائق والأساليب لتنفيذه وتقويمه.

يمكن الانطلاق من هنا للعودة إلى بداية برنامج التربية المدنيّة في لبنان حين كانت تُصنّف ضمن "الاجتماعيات" للدلالة على المدنيّات والتاريخ والجغرافيا في المرحلة التعليمية الإبتدائية، بينما حملت عنوان "الأخلاق والشؤون المدنيّة والوطنية" في المرحلة التعليمية المتوسّطة. 

تطوّر برنامج التربية المدنيّة في لبنان

يؤرّخ التقرير اللبناني، الذي قدّمه الوفد اللبناني إلى جامعة الدول العربية بمناسبة انعقاد "المؤتمر الثقافي العربي الرابع" في دمشق عام 1959 والخاص بالتربية الوطنية، لبدء تدريس هذا البرنامج في المدارس اللبنانية بعد الاستقلال، أي بعد عام 1943. كما يشير التقرير عينه إلى أنه في عهد الانتداب الفرنسي كان هناك ما يُدرّس تحت عنوان التربية الأخلاقية والمدنيّة.

بعد حصول لبنان على استقلاله، وُضِعت ما سُمّي آنذاك "مناهج عام 1946" التي أظهرت غايات التعليم، في مقدّمتها، ومنها  " ... عناية بالغة بالتنشئة الوطنية والبدنية والتربية الأخلاقية والاجتماعية". بيّن التقرير المذكور آنفاً أسباب عدم تبوؤ مادة التربية الوطنية، منذ ذلك التاريخ وحتى إعداده، المرتبة اللائقة بها ومنها عدم اعتمادها في امتحانات الشهادة الرسمية الابتدائية، وإنها كانت ضمن الامتحان الشفهي للشهادة التكميلية "البريفيه" بشكل ثانوي، فتمّ تجاهلها من قِبَل بعض المدارس.

في التقرير ذاته، ظهر "منهج التربية الوطنية"، كما أقرّته "مناهج عام 1946، تحت عنوان "مادة الأخلاق والتربية اللبنانية" وفيها الأهداف الخاصة للمرحلة الابتدائية التي دعت إلى تعزيز التنشئة على الفضائل الأخلاقية وحب لبنان والتفاني في سبيل كرامته، كما دعت إلى توضيح أهمية التعاون الوثيق اللازم مع أهل البلاد العربية.   
كذلك  ظهر "منهج الأخلاق والشؤون الوطنية" للمرحلة المتوسّطة الذي استمر تدريسه حتى عام 1997. من المفيد ها هنا الإشارة إلى مرحلة تعديل "مناهج" التعليم العام في لبنان التي بدأت في عام 1968 وامتدت إلى عام 1971؛ إذ اعتمد عنوان "الاجتماعيات" ارتباطاً بمادتيّ التاريخ والجغرافيا للمرحلة الابتدائية، وقسّم هذا العنوان في المرحلة المتوسّطة إلى ثلاثة أقسام  هي: التربية الدينية والتربية المدنيّة والتاريخ والجغرافيا. 
بالنسبة لمضمون التربية المدنيّة فلم يطله التغيير كما جاء هذا في تحديد "مناهج التعليم في المرحلة المتوسّطة لعام 1970". وبموجب المرسوم رقم 14528 الذي نصّ على الآتي: "يستمر العمل بمناهج التربية المدنيّة والتربية الرياضية والنشاطات اليدوية والفنيّة ريثما تصدر مناهج هذه المواد بمرسوم لاحق". 

كتاب التربية المدنيّة و" العدو"

عرض كتاب التربية المدنيّة للسنة الابتدائية الثانية في الدرس العاشر، وفقاً لــ"مناهج 1946" الذي ظلّ معتمداً حتى 1998، مسألة الهجرة بدافع البحث عن العمل، مع الإشارة إلى مساوئها التي تفوق حسناتها. إلا أن هناك وجهاً آخراً للهجرة اللبنانية عرضه كتاب التربية المدنيّة للسنة الرابعة الابتدائية في الدرس الخامس عشر  الذي ظهر تحت عنوان "النزوح" بمعنى الهجرة الداخلية بدافع الخوف من الاعتداءات المتكرّرة التي يشنّها "العدو" على قرى جنوب لبنان ومن غير التعريف بهوية هذا "العدو"؛ لكن الدرس نفسه شدّد على معنى الصمود.  

عن ارتباط الإنسان بأرضه، عرض كتاب التربية المدنيّة للسنة الثالثة الابتدائية في الدرس الخامس عشر، معاني حب الأرض والدفاع عنها رغم كل محاولات الاعتداء والتهجير التي يقوم بها "العدو" في الجنوب اللبناني.

حين عاد كتاب التربية المدنيّة للسنة الرابعة المتوسّطة (كتاب التربية الوطنية والأخلاق) لعرض مشكلة النزوح عن القرية، لا يذكر "العدو" ضمن أسباب ثلاثة لهذه المشكلة وهي: طلباً للرزق وطمعاً في مظاهر المدينة الخلاّبة وتخلّصاً من العزلة. 

التربية المدنيّة اللبنانية ومصطلحات الانتماء العربي

في سياق الحديث عن مفهوم "الأمّة" بالمعنى الدال على الانتماء، الذي عرضه كتاب التربية المدنيّة للسنة المتوسّطة الأولى في الدرس الثالث عشر، تعرّف التلميذ على مُصطلح "الأمّة العربية" كنموذج لهذا الانتماء بمكوّناته المادية والروحية. كما تعرّف على مُصطلح "الوطن العربي الكبير" في كتاب السنة الرابعة المتوسّطة في الفصل السادس عشر. كذلك تم ّ توضيح العلاقة بين لبنان والدول العربية من خلال تأسيس "جامعة الدول العربية" وتوقيع الميثاق الخاص بها. 

التربية المدنيّة في "خطّة النهوض التربوي في لبنان"

في العام 1989، انبثقت عن لقاء النواب اللبنانيين في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية "وثيقة الوفاق الوطني" التي بدأ بها لبنان مرحلة إعادة تأسيس الدولة بعد سنوات الحرب الأهلية التي اندلعت في بداية السبعينات. في هذه الوثيقة تمّ الإقرار بالإصلاح التربوي ومنه توحيد الكتاب اللبناني في مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنيّة .

من تلك الوثيقة الوطنية ولدت "خطة النهوض التربوي في لبنان" التي أعدّها "المركز التربوي للبحوث والإنماء اللبناني"وأقرّها مجلس الوزراء اللبناني في عام 1993. في ضوء خطّة النهوض التربوي هذه انطلق مشروع التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة بعد موافقة مجلس الوزراء اللبناني في عام 1996 على أهدافه العامة والخاصة. هذه هي كتب التربية المدنيّة التي تدرّس في لبنان حالياً.   

في الأهداف العامة للتربية المدنية  تأكيد على تعزيز الوعي للهوية العربية والانتماء العربي في المراحل التعليمية الثلاث تطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني. 

كتاب التربية المدنيّة والتعريف عن " العدو"

بعد أن كان "العدو" مجهولاً في كتب التربية المدنيّة ما قبل "وثيقة الوفاق الوطني"، أضحى معرّفاً بموجب هذه الوثيقة على أنه "العدو الإسرائيلي"  في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة الرابعة من مرحلة التعليم الأساسي (الإبتدائية).
إذ في الدرس الخاص عن لبنان ومحيطه العربي ُيطلب من التلميذ أن يجمع "صوَراً تمثّل أطفالاً أو نساءً لبنانيين وعرباً يقاومون العدو الإسرائيلي". من التعريف بهوية العدو ووجوب مقاومته، يرتقي المعنى في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة"  للسنة السادسة من مرحلة التعليم الأساسي إلى وجوب "التضامن لمواجهة العدو الإسرائيلي" و"مقاومة الأطماع الإسرائيلية"، إلى جانب عرض أشكال "العدوان الإسرائيلي" على لبنان.

يستمر التعريف بهوية "العدو الإسرائيلي" في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة التاسعة من مرحلة التعليم الأساسي في الدرس الذي يعرض "الحقوق العربية والمطامع الإسرائيلية"، وفيها قضية اغتصاب فلسطين من قِبَل الحركة الصهيونية لتكون وطناً قومياً لليهود واقتراف المجازر في فلسطين ولبنان.

ينضج هذا التعريف بهوية "العدو الإسرائيلي" ووجوب مقاومته في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة الأولى من التعليم الثانوي من مدخل "حقوق المواطن وواجباته ومسؤولياته السياسية"، ومنها حق "المقاومة الوطنية ضدّ العدو الصهيوني" كواجب ومسؤولية. إلى أن يكتسب التعريف بهوية "العدو الإسرائيلي" بُعداً وجودياً في كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة الثانية من التعليم الثانوي من حيث اعتبار إسرائيل إحدى "مصادر تهديد الأمن العربي" بسبب احتلالها للأراضي العربية في فلسطين والجولان ولبنان.

بعد أن أصبحت هوية "العدو الإسرائيلي" راسخة تربوياً، تظهر سبل مقاومته في بلاد الإغتراب كما يعرضها كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة" للسنة الثالثة من التعليم الثانوي، حين يحمل المغتربون اللبنانيون قضية الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية والقضية الفلسطينية إلى المنابر الدولية.

إنها التربية التي تنقل المجتمعات من ديجور الجهل إلى فجر المعرفة فتتحرّر العقول. وإذا أُلبِستْ التربية بُرقعاً في صحراء متحرّكة، قادت أصحابها إلى الزوال. فلتكن تنشئة وطنية يُجيد مربّوها قراءة الحق وليمتلك خبراؤها حكمة التقويم؛ التربية ليست على قياس المعلّم أو المسؤول السياسي، إنما هي على قياس المُتعلّم الذي يتوجّب تقدير آرائه من خلال الدراسات والأبحاث  التربوية الرصينة التي تعتمده مركزها. فكل بحث تربوي يرتكز على المُتعلّم واستجاباته لقياس وتقويم أيّ برنامج تدريسي، ومنها برنامج التربية المدنية والتنشئة الوطنية، لا بدّ من أن يساهم بشكل فعّال في تطوير البرامج التعليمية لتواكب التحديات المعاصرة؛ فحين يعتبر 484 طالباً وطالبة من أصل عيّنة شملت 892 من الصف الثالث الثانوي في 38 ثانوية خاصة ورسمية في بيروت* من مجموع 6796 طالب، أن طريقة الاستمارة لأجل استقصاء آرائهم حول مادة التربية الوطنية هي مفيدة ومهمة، فهذا يستوجب البناء عليه في عمليات القياس والتقويم في المرحلة الحالية.

أمّا القِيَم الوطنية التي تعتمدها التربية الوطنية لبناء المواطن الصالح فهي المُنبثقة من القانون الذي يدافع عن الحقوق ويفرض الواجبات. فقد آن الأوان لترسيخ الصدق في المصطلحات كأن ُترفع الرايات البيضاء بعنوان "ثقافة السلام" أمام عدو مُغتصِب لأراض ٍلبنانية وعربية، كذلك آن الأوان لفرض القِيَم الوطنية بقوة القانون مثل الواجب المُقدّس في الدفاع عن الوطن واعتبار الخيانة الوطنية خطيئة كبرى لها عقابها كما تنصّ عليه قوانين الدول المُتحضّرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً