حلا البرغوثي

كاتبة فلسطينية

شهر الأسرى الفضيل

أفقت من نومي البارحة بثقل 39 يوماً من الانتظار، في تمام الساعة السبعمائة وعشرين (720) ربما، فلا توجد في زنزانتي دلائل للوقت.

صورة أرشيف
صورة أرشيف

أخذت أجري نحو كل شيء يطل على السماء. ومن لهفتي تمنّيت لو أن هذا السقف عارٍ. عانقت الحائط، لعلّي أستطيع الوصول إلى النافذة الشاهقة والتي زادت علواً وضيقاً في تلك اللحظة.

كنت أحرّك قدماي كطفلٍ بدأ بالحبو حديثاً، أتمسّك بالجدران وأرويها  بتعرّق يداي، أتشبّث في كل ذرّة ترفعني قليلاً نحو الحقيقة، ضربت الحائط بحنق، ورحت أتنقّل في كل زاوية. قلبي يدويّ في صدري، معدتي تصرخ في جوفي. كل الزوايا لا توصلني إلى تلك النافذة، كل ما هنا يُبعدني عن السماء، ويُبعدني عن معالمها، أصابتني حال من الضعف واليأس والغضب، أفرغتها على تلك السماء العاقر؛ لماذا لم تنجب هلالنا، أم أنها أجهضته فتناثر على الأرض؟!. 

رحت أصرخ بها، من وراء سُمك الجدران:

 

"أيّتها العاقر، أين هلالنا؟ أخرجيه، إرحمينا، أوقفي جوعنا، أوقفي موتنا، أوقفي هذا الانتظار المالح، هذا الانتظار الخائر. هل توقّفتِ عن الإنجاب الآن وأنت في كل عام تنجبين اثني عشر هلالاً؟!، أم أن الملح العالق في أرواحنا، أمعائنا وأجسادنا أصاب رحمك بالعُقم.

 

أجيبي أيّتها السماء: أين تُخبّئين هلال النصر؟ وإلى متى؟!".

لم أسمع ردّاً سوى صدى صوتي، التصقت بالحائط مرة أخرى لعلّي أسمع وشوشة المساجد وهي تنادي بتكبيرات العيد، أو ضحكات الأطفال وهم يرقصون بملابسهم الجديدة. أيّ صوت يمنحني أملاً بأن هلالاً يقبع فوق سقفي الإسمنتي يُداعب صبري بلعبة "الغميّضة"، ولكن بلا جدوى.

 

أسندت نفسي على ذات الحائط الذي خذلني، أجترّ ما بقيَ لي من الصبر. أجترّ الأمل، أجترّ كل صوت حرّ، أسعفتني عيناي الذابلتان حين هوت ببصري على كوب الماء والملح الذي لا زال ساكناً حيث تركته في آخر مرة. أخذته بيدي، ورحت أرتشف منه ما يُقيتني ليوم آخر. وفي الليلة القادمة بلا شكّ سيُنير عتمتي هلال، وسأحتفل بعيد قريب، سأحتفل بحريّتي.

 

سأشقّ الصباح بوابل من قبل أطفالي وهم يبحثون في جيوبي عن "عيديّتهم"، وأفتح عيناي على ضحكة رفيقة دربي (زوجتي). سأنحني على صدر أمّي وأتدثّر برائحة الخبز والقهوة، برائحة الزعتر والميرمية، سأتخم رئتاي بهواء الحرية. استعدت  بعضي وحملت ما تبقّى مني وكل ما يدور في خُلدي من شكوك ويقين بالغد، ورميت بي على السرير البالي لأفيق على انتظارٍ جديد.

 


39 يوماً لا تنقصها دقيقة واحدة، بل تزيد ساعات وساعات، في حين سيحطّ شهر رمضان المبارك رِحاله على أيامنا، وسينتشر فيروس الحيرة في مطابخ البيوت وفي عقول النساء، وستشتكي الأواني والقدور من أعمالها الشاقّة، وإني على يقين بأنها ستُصاب بالغيرة من الأواني التي تقبع وراء القضبان، تلك الأواني التي لم تلوّث طوال شهرٍ، ساكنة دافئة في معاقلها، لا دهون تلتصق بها ولا أيدي تتناقلها، ولا روائح تنبعث منها، حتى الأكواب لم تشعر بالضجر من الوجبة اليومية التي كانت ولا زالت تُقيتُ أبطال الكرامة، أبطال الأمعاء الخاوية، فالماء والملح خفيف نظيف لن يدمي تلك الأكواب، أما الأجساد التي يصبّ بها هذا المحلول؛ هي من تُدمى.

 

بعد أيام قليلة ستُنثر أشهى المأكولات على طاولاتنا، وعلى طاولتهم كأس من الكرامة. سنجوع، نعم سنجوع، لكن مدفعاً وتكبيراً في نهاية اليوم سيجعلنا نشعر بالتُخمة خلال دقائق، وهم لا زالوا جائعين مُتخمين بالإرادة والصبر مُتسلّحين بالكفاح والنضال في سبيل الوطن. سنصاب بثقلٍ في الحركة مما يملأ بطوننا الشرِهة من مأكولات وحلويات، وهم سيشعرون بثقل الحركة  مما فقدته أجسادهم طوال شهر، وركيزتهم الوحيدة للبقاء؛ ملح وماء. 


شهر الأسرى الفضيل (رمضان الأسرى)، شهر مختلف عن كل الشهور الفضيلة، لا حدّ لأيامه، شهر بنهاية مجهولة. شهر ناقص لم يكتمل فيه شيء سوى عدد الأيام، أما رمضاننا فأيامه محدودة، يبدأ بهلال وينتهي بهلال وعيد وحرية وفرح. رمضان شهر الرحمة، وفي شهرهم يبحثون عن الرحمة التي غفل عنها أبناء شعبهم، فتراهم يتنقّلون في بلاد الله الواسعة يتذرّعون بالقضية الفلسطينية، يلتّفون حول طاولات المفاوضات التي باتت عقيمة لا يوجد في جعبتها سوى المزيد من الذلّ والهوان والاستسلام.

 

لن ينتهي شهرهم بإفطارٍ يعوّض عليهم ما فقدت أجسادهم من الملح، فأجسادهم ينقصها كل شيء عدا الملح.

 

إن حال الأسرى منذ سنوات كحال الأسير الذي وصفته بداية، وأنا على ثقة أنني انتقصت من قدر المعاناة التي يقاسيها أسرانا البواسل في معاقل أبناء صهيون، حيث يتعرّضون إلى أشدّ أنواع التنكيل النفسي والجسدي، يعيشون بحال من الضياع والتيه في قلب المجهول، تحت الصفيح والحديد، حيث لا مواقيت لسمائهم، ورغم القوة والعزيمة التي يبّثها الأسرى في نفوسنا، القوة التي نستمدّها من استمرارهم وتصميمهم على المُضيّ في هذا الإضراب الذي يُعرّض حياتهم للخطر حتى نيل مطالبهم، فإن حالات من الوهن والضعف، حالات من التناقض، تُكدّر صفو قلوبهم وتملأهم بالتساؤلات بالأمل وباليأس، تُحدّثهم أنفسهم بالتراجع والتقدّم فهم ليسوا فولاذاً، ما هم إلا بشر يمتلكون طاقة محدودة للتحمّل وفي نفس الوقت يتسلّحون بإرادة فولاذية ثقبت زنازين الاحتلال وفجّرت سقوف الإسمنت العمياء.

 

أسرانا البواسِل لا زالوا حتى هذه اللحظة عالقين بالأمل  يبحثون عن هلال، عن علامة تُبّشرهم بقرب عيدهم،  عما يُنهي معاناتهم. يستنجدون بنا لنخلق لهم هذا الهلال، حتى لو كان رسمة غير مُتقنة من طفل لم يتجاوز الــ 4 سنوات، حتى لو كان خيالاً، وهماً أو ظلاً.

 

نحن أبناء شعب فلسطين، نحن الأمل الباقي لهم، نحن من سنُنجب لهم الهلال لا السماء، نحن من سنصرخ بتكبيرات العيد لتخترق جدرانهم، نحن من سنصرخ من جوفهم ليصل صوتهم إلى كل المنظمات التي تُنادي بحقوقهم وما عادت تذكرهم، سنثقب كل أذن سمعت استغاثاتكهم وحلّقت بعيداً في طائرات خاصة، لن نعقد الأمل بأصحاب البدل والرّتب والنجوم بعد الآن، فكل ما نبتغيه هلالاً، نعم هلال، وسيطلع من عتمتهم قمر بإذن الله.

 

 نحن لكم ومعكم حتى النصر.. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً