هل ستكون الضربة الأميركية بداية الخروج الفعلي من الأزمة السورية؟

منذ بدايات حُكمه صرّح ترامب أنَّ سياسة أوباما خرّبت النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وحمّل سلفَه مسؤولية ترك المنطقة مفتوحة أمام النفوذ الروسي، مُعتبراً أن على إدارته العودة والمشاركة في إدارة المنطقة، ولا سيما ملفي سوريا والعراق.

الغائب عن الأذهان أنّ الضربة الصاروخية وحّدت مصالح روسيا وأميركا بنقطة مشتركة هي ضرورة حسم الملف السوري
الغائب عن الأذهان أنّ الضربة الصاروخية وحّدت مصالح روسيا وأميركا بنقطة مشتركة هي ضرورة حسم الملف السوري

  كانت تلك الفلتات أو زلّات اللسان هي ما كشف ويكشف حقيقة التصرّفات السياسية لترامب وإدارته من دون أن ننجرّ وراء حملته الانتخابية لكسب القاعدة الشعبية التي يحتاجها لإطالة أمد حكمه واستباب الأمر له، ومن ذلك ما قاله عن تغيير كل سياسات الإدارة، خارجياً كما داخلياً، وعدم المواجهة مع روسيا، ومُحاصرة إيران وإنهاء مفاعيل الاتفاق النووي، وتصريحاته أنّ سوريا هي ساحة التفاهمات مع الروس والآخرين. وفي ضوء ما سلف كيف يمكن تفسير الضربة الصاروخية الأخيرة لسوريا، مَن تخدم وما دلالات ذلك، كيف تم وضع أطراف على المحك؟ ما صفة المُحادثات القادمة حول سوريا بين روسيا وأميركا؟ ما هي مغبّة التصعيد؟ هل اتّحدت مصلحة أميركا وروسيا بعد الضربة الأخيرة؟ كيف ستكون حال العلاقة بين ترامب والمؤسّسات الأميركية؟ وبالنهاية : سوريا ربحت ثمن الخطأ الأميركي ... كيف؟ ما هي الانعكاسات؟


جسّد الحدث السوري الأخير انقلاب ترامب على نفسه، وأظهر أنّ تسلسل القيادة لا يلغي الأيديولوجيا الأميركية الأمّ. ولا بدّ لفَهم ذلك ولربطه بالحاضر، وفَهم مؤشّراته لا بدّ من العودة إلى واقعة الحرب الباردة وتبيّن مُفرزاتها بعد بدء مرحلة القطبية الواحدة، فقد انقسم العالم العربي أيديولوجياً إلى نوعين من الأيديولوجيا: الثورية(سوريا، والعراق، مصر) المُعادية آنذاك لأميركا وإسرائيل، والمحافِظة (دول الخليج التي تتبع أميركا وإسرائيل) ، فاليوم نشهد الترتيب ذاته الذي بدأ منذ أحداث 11/سبتمبر/2001،  وأحداث2011م، بشكل عام ، وحدث الضربة الأميركية لسوريا بشكل خاص، فالانقسام واضح بين قسم كبير يُطالب أميركا بضرب سوريا وقسم يرفض ذلك، هم أنفسهم مَن كانوا مع الاتحاد السوفياتي سابقاً ؛ إذاً الحرب الباردة ما تزال مُستمرّة ولم تنتهِ يوماً من الأيام، على الأقل (فكر الحرب الباردة وفلسفتها ما يزال مُتغلغلاً في العقلية الصهيونية الأميركية).


    لا بدّ من العودة للتفكير بالاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط في المنطقة العربية عموماً وسوريا خصوصاً، وهنا لا بدّ من تذكّر اعتمادها سابقاً على نقاط مُتعدّدة،  ولكن اليوم ما من أحد مُقتنع بأن نفط المنطقة الشرقية السورية هو ما تطمح به أميركا لأن نفط الخليج العربي يُغنيها عنه لو قارنّا بينهما، ولكنها الرغبة بإقامة قاعدة دائمة بالقُرب من دولة مقاومة تهدّد أمن إسرائيل ومصالح أميركا، وحتى الادّعاء بمُحاربة داعش، ادّعاء ثبت زيفه وإلا لما  قصفت موقعاً للجيش السوري لولا أنها تعتبره عدواً يجب إزالته، من دون أدلّة حول تورّطه بالكيميائي، ومن دون التقيّد بالمنظمات الدولية التي تتذرّع بالتقيّد بها، والجواب لأن سوريا بالمُمارسات النظرية والعملية تُهدّد أمن أميركا وامتدادها الجيوستراتيجي المُتمثّل بإسرائيل، ولديها رغبة بتوسيع جيبوليتيكي أوسع لهذا الكيان.


  وأما دلالات الضربة الأميركية الصاروخية، فهي تشير إلى تحوّل في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت تتمحور حول أمن إسرائيل بما يضمن التفوّق والسيطرة الأميركية، ويبدو أنّ فكرة العولمة أو الأمرَكة ستعود كطرح وكعملية سياسية إلى الحياة من جديد في عهد ترامب.


الغائب عن الأذهان أنّ الضربة الصاروخية وحّدت مصالح روسيا وأميركا بنقطة مشتركة هي ضرورة حسم الملف السوري على أساس مصالح كل منهما بما يكفل بقاء سوريا كدولة، وتوقّف الحرب الدائرة فيها، وببساطة لأن التصعيد ليس من مصلحة أميركا وروسيا.


 كشفت الضربة الصاروخية زَيف الأحداث التي بدأت منذ عام 2011م تحت مُسمّيات الحرية والحقوق السياسية لتنكشّف الحقيقة التي هي أطماع أميركا وأهدافها في المنطقة العربية، ما يعني أن (نظرية المؤامرة) بخصوص الوضع السوري كانت صحيحة 100%.

  وعلى العكس مما قاله البعض – كما أرى- فإن الضربة الصاروخية لم تكن هزيمة لسوريا ولا قاسية النتائج، بل كان الترويج لما سلف نوعاً من الضخّ الإعلامي والأدلّة واضحة ، ففي حين تكلفت سوريا ب 35مليون دولار تكلفت أميركا بمليار دولار وهذه لنظام رأسمالي ضربة لا بأس بها، الجيش السوري وحلفاؤه أسقط 36 صاروخ توما هوك،  وتم إصلاح المطار خلال ساعتين، ومعاودة مهامه، والمزيد من الخطط العسكرية السورية والتصميم لمُحاربة الإرهاب .


الأشخاص في السياسة الأميركية عبارة عن دُمى مُتحرّكة، وهذا ما أثبتته بالدليل القاطع حقيقة علاقة ترامب مع المؤسّسات الأميركية ، فنحن نلاحظ أنه بين ما أعلنه ترامب أثناء حملته، وما نفذّه مساحة شاسعه  وفي حال الصدق في ما صرّح، فهذا يعني أنّه دمّر ما بناه رؤساء أميركا ممن سبقوه، وآلية عمل بعض المؤسّسات الأميركية، وخالف قداس التفوّق الأميركي العالمي؛ لذلك لن يسمح له بالتمادي ولا تنفيذ ما أعلنه، ويكفي أنّ نعرف تصرّفات الرؤساء الذين سبقوه لنعرف كيف سيتصرّف مستقبلاً.


ما أسفرت الضربة الصاروخية عنه إثبات وجود حكومات ظلّ هي الآمر الناهي، وما الحكومة المُعلنة إلا عبارة عن ناطق رسمي ليس أكثر، فصاحب البيت لا يسمح لإبنه الصغير بتخريب بيته، وهذا ما يحصل في أميركا.


لا ننسى أن الحدث الأخير احتل مكانته في إرباكنا من كونه علنياً لأول مرة رغم الدور التخريبي الأميركي منذ بداية الأزمة، إذاً الحدث الأخير وضع الأطراف على المحكّ لكون الاعتداء الأخير هو اعتداء غير مباشر على روسيا؛ التي تقول أنّ لها مصالح في سوريا ، ودعمها مشروط ، وهي عاجزة عن تقييد الأسد الذي يؤمن بالقرار المستقلّ لسوريا شعباً وأرضاً وقيادة ، ولروسيا اليوم قواعد دائمة في سوريا، ولقد تعرّضت للإهانة الدبلوماسية على المستوى الاقليمي والدولي، وزاد الطين بلّة كما يقول المثل الشعبي وجود معلومات عن إخبار الروس بالضربة الأميركية الأمر الذي قاد لإحراجها أمام حلفائها لا سيما سوريا، وهنا ستوضع الأطراف على المحكّ لحسم الأمر، فالمفاوضات القادمة عكس تلك المُعدّة للاستهلاك الإعلامي (جنيف 5، وأستانة ... وغيرها) ، ويجب الوصول إلى حل حاسم مفاده إنّ لروسيا مصالح في سوريا ذات السيادة ويجب على أميركا احترامها وتسوية الأمر بينهم كدول كبرى والتوقّف عن انتهاك سيادة سوريا.


وبخصوص مغبّة التصعيد، فاليوم أميركا تحرّك أساطيلها اتجاه شبه الجزيرة الكورية وروسيا تقول بزيادة الدعم لروسيا، والجيش السوري أكثر صراراً لمتابعة الحرب ضدّ الإرهاب. التصعيد يعني – كما أجمع المُحلّلون – الانجرار نحو حرب عالمية، حيث رأينا الاصطفاف والانقسام فور حدوث الضربة الصاروخية والنتيجة (دول العالم اليوم مُهيّأة لحرب قادمة)


وأما بخصوص السيناريوهات المستقبلية فقد صدر اليوم بيان عن سوريا وحلفائها بأنهم سيردّون بقوة على أيّ تهديد أو اعتداء كائناً المُعتدي مَن كان، وهذا يعني أنّ المؤشّرات تذهب نحو التصعيد، كما أنّه من السخافة لرئيس مُستجد أن يرسل رسائل لتهديد كوريا الشمالية والصين بنفس الوقت الذي يصطدم فيه مع روسيا وإيران عبر الأرض السورية، فالحرب القادمة بالاعتماد على الانقسام الحاصل ستكون في حال قامت (حرب أحلاف). 


ولذلك كله وبالاعتماد على ما سبق وبالنظر إلى ما يجري الآن من تصعيد على أنّه حرب باردة مؤقتة ، فإن التفاوض والتفاهم قدرٌ حتمي وطريق إجباري ستضطر سائر الأطراف للجوء إليه، وإلا فالعلام إلى هباء.