قراءة في النظرة الإسرائيلية للتعاون الروسي – الإيراني في سوريا

ما يزال التساؤل عن إمكانية تطوّر العلاقات بين روسيا وإيران إلى تحالف استراتيجي متكامل أو يبقى في حدود التنسيق الذي تفرضه مصالح آنية وإقليمية من دون أن نتجاهل التاريخ السياسي ومحطات الاصطدام بينهما لكون روسيا تملك أجندة (قسم كبير منها غير مُعلن) مختلفة عن الأجندة الإيرانية؛ الأمر الذي دفع موسكو سابقاً إلى التصويت أربع مرات في مجلس الأمن الدولي مع قرارات أممية فرضت عقوبات اقتصادية على طهران، ما يثير الحافز للبحث في هذا الموضوع الدقيق.

يخطئ من يظن بأن هناك مخاوف لكلا الدولتين على انهيار سوريا قيادة والشعب المؤيد لها
يخطئ من يظن بأن هناك مخاوف لكلا الدولتين على انهيار سوريا قيادة والشعب المؤيد لها

شهدت العلاقات الإيرانية – الروسية تحسناً ملحوظاً منذ عام 2012، تجلّت بتبادل الزيارات بين مسؤولي الدولتين، وبنشاط عسكري مشترك في سوريا، ووضع خطط مشتركة لتوسيع نطاق العلاقات بين البلدين في قضايا تزويد إيران بالسلاح التي بدأت منذ الحرب الإيرانية العراقية حيث تم تنظيم علاقات تزويد إيران بالسلاح الروسي بين عامي 1989 و1991، ولكن وجود هذا الكمّ من المصالح المشتركة بين الطرفين ليس كافياً للتأصيل لحلف بينهما لا سيما بفعل الاختلاف بين أهداف الدولتين؛ الأمر الذي يريح الأطراف المعادية لإيران كإسرائيل مثلاً.


نظرت اسرائيل للعلاقات المتطورّة بين إيران وروسيا بكونها ذات دلالات وتداعيات سلبية على أمنها خصوصاً تزويد طهران بسلاح متطوّر سيصل قسم منه في نهاية المطاف إلى حزب الله الذي يُرعب الكيان الغاصب، كما إن إضعاف التأثير والنفوذ الأميركيين في المنطقة سيخدم في نهاية المطاف التفوّق الروسي دولياً وبالمرتبة الثانية إيران اقليمياً وبالتالي تقويض الكيان الغاصب.


 من جهة أخرى يخطئ من يقول أن العلاقات بين الدولتين ذات مردود إيجابي على إسرائيل، لأنه سيفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق استقرار في سوريا، وضرب التنظيمات الجهادية, وذلك ببساطة لأن هذه التنظيمات أدوات إسرائيلية لاستنزاف قوة الجيش السوري الذي كان بإمكانه سحق إسرائيل لولا أزمته الراهنة.


يُعزى التطوّر الحاصل في العلاقات بين إيران وروسيا إلى الأحداث التي تعصف في منطقة الشرق الأوسط، التي تفرض تحديات ومخاطر أمنية على كل من روسيا وإيران نتيجة لعوامل بنيوية جمعت بين الطامح والخائف، ما حرّك عملية التقارب أو(زواج المتعة) بين الدولتين.


يخطئ من يظن بأن هناك مخاوف لكلا الدولتين على انهيار سوريا قيادة والشعب المؤيد لها، وهذا تفسير ضيق لأن المصالح عنوان أيّ تقارب دولي ، فالحاجة لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)  جعلت روسيا تستخدم إيران كمركز ثقل مضاد لحركات الإسلام السياسي المتطرفة ، التي تهدّد أمن روسيا ذاتها، فمتطرّفي الشيشان نموذجاً لهذا، وخطر تمدّد التطرّف إلى دول القوقاز، وفي تقاطع مصالحهما ضد المنظمات المتطرّفة في أفغانستان.


 وبالنسبة للقائلين مسبقاً بمساهمة الاتفاق الدولي بين إيران والغرب بشأن الملف النووي في رفع أسهم إيران في نظر روسيا، لا سيما بعد الشرعية الدولية التي وفّرها لها الاتفاق، فإن تصرّفات ترامب الأمريكي تدحض هذا القول، فلا يمكن لإيران اليوم المساومة على الملف النووي في تقوية مواقفها في ظلّ التذبذب الأمريكي الساعي لضمان تفّوقه وسيطرته العالمية، وتأخير انقسام العالم إلى محورين متكافئين بالقوة، كما إن موسكو تلجأ للورقة الإيرانية للتعويض عن خسائرها من المقاطعة الأوروبية المفروضة عليها بفعل الملف الأوكراني، من خلال ما قد يعود على اقتصادها في حال تعاون اقتصادي مع طهران، وبيع الأخيرة أسلحة متطوّرة.


تكمن الخطورة في سعي روسيا للتوصل إلى تسوية وحل بالتوافق مع الولايات المتحدة بخصوص الملف السوري، بحيث تتفق الدولتان على معالم سوريا المستقبلية، ويبقى هذا أمراً وارداً لأن أهمية الملف السوري بالنسبة لروسيا تكمن في ضمان حرية حركتها البحرية وطريقها إلى المتوسّط وموقعها في طرطوس، وبالتالي فهي قد تقبل بتسوية دولية تضمن مصالحها هذه.


فإن ذلك يلقى رفضاً واستياء من قبل إيران والدليل ما تم ملاحظته في مؤتمر أستانة من محورية للدور الروسي والتركي وتهميش لحجم المساهمة الإيرانية؛ التي أعربت عن غضبها بوضوح، من دون أن نجزم حول التهميش لأن الاتفاقات السرّية أمر وارد، ما جعل المراقبين يقولون أن روسيا لا تظهر ولا تبرز الدور الإيراني، وهي تعمل في قطف ثمار هذا التعاون بشكل مستقل ولصالحها، وتغطي بذلك على دور طهران.


إن إسرائيل التي تدور في الفلك الأمريكي والمستمر لغاية اليوم بفضله ليست في صدد قطيعة مع المجتمع الروسي لا سيما المافيات وجماعات الضغط، بل هناك شيء ما غير معلن مرفق بضغوطات معينة وهذا ما يفسّر غضّ النظر عن الضربات الإسرائيلية الجوية لسوريا رغم أنّ صواريخ (400 s) منشورة في سوريا، وحتى على صعيد المنافع فالمصلحة التي يمكن أن تجنيها روسيا من أمريكا وإسرائيل لن تستطيع إيران تقديمها مستقبلاً، لذلك فهي في الوقت الراهن ورقة ضغط بيد روسيا تجاه منافسيها إلى أن يرضخوا لها أو يعترفوا بها كعنصر مكافئ، ولذلك  لا تسارع روسيا  إلى رفع مستوى التعاون والتنسيق مع إيران إلى درجة تحالف متكامل، وهذا ما ينفي القلق عن الإسرائيلي حيال العلاقة بين روسيا وإيران.


 بالنتيجة ستشهد الأيام القادمة محاولات أميركية إسرائيلية لتخريب العلاقة بين الدولتين لأن مصلحة إسرائيل تكمن في إبعاد إيران عن روسيا، كما إن قدرة العلاقة بين الدولتين على تهديد إسرائيل خاضعة لتطوّر مستوى العلاقة بينهما، والذي يواجه عوائق متعدّدة منها منظومة الاعتبارات الدولية والإقليمية لروسيا، لا سيما طبيعة ومستقبل علاقاتها مع الولايات المتحدة والتحالف، والتقاء المصالح بينها وبين دول عربية في مجال الطاقة مثل العربية السعودية ومصر ودول أخرى التي تحرّكت مؤخراً بدعم أمريكي لإبعاد إيران عن الساحة العربية، أن روسيا لن تسارع في نهاية المطاف إلى رفع مستوى التعاون والتنسيق مع إيران إلى درجة تحالف متكامل، حتى تُبقي لنفسها حرية الحركة والعمل في الحلبتين الإقليمية والدولية، مع الاحتفاظ بهامش من التنسيق مع طهران، فهي ورقة ضغط روسية ليس أكثر أمام أوروبا والولايات المتحدة في حل ملفات تهم روسيا لا سيما ملف أوكرانيا والقرم والمطالبة مقابل دورها في سوريا برفع العقوبات المفروضة عليها من قِبَل الدول الأوروبية والولايات المتحدة.