أحمد أشقر

باحث في الديانات المقارنة، ومترجم عربي - عبري. كتب العديد من المقالات والكتب. له أربعة كتب منها: مكانة النساء في العقائد اليهمسلامية- من المسؤولية عن الخطيئة الأولى إلى التبرئة؛ وقصة لوط التناخي وديناميكية العداء للآخرين.

كيف هوّدت إسرائيل معالم وأسماء الآثار الإسلامية؟

اشتركت أطراف عدّة في عملية تهويد المَعالِم العربية على أرض فلسطين وهي: وزارة الأديان...الجيش الإسرائيلي بعد الاحتلال الثاني عام 1967 ومؤسسات دينية مُختلفة ومؤمنون عاديّون من "المُهاجرين"- كما يصفهم الكاتب- من اليهود العرب الذين تم استجلابهم من أوطانهم في خمسينات وستينات القرن الماضي، لأنهم كانوا بحاجة إلى مزارات قريبة من أماكن سكناهم، فقاموا بالسيطرة على المزارات الإسلامية في القرى العربية المنكوبة وحوّلوها إلى مزارات يهودية. على سبيل المثال: سيطروا على مقام النبيّ يامن غربي قلقيلية وحوّلوه إلى قبر "بنيامين بن يعقوب"؛ وفي وسط البلاد بالقرب من قرية صرعة المنكوبة سيطروا على مقام الشيخ غريب وحوّلوه إلى "قبر شمشون"؛ وحوّلوا مقام أبي هُريرة في يُبنة (على خط سير يافا- الرملة) إلى مقام الـ"رابي جمليئل"، والأمثلة بعد كثيرة.

إضافة إلى تحويل المقامات الإسلامية إلى يهودية، فقد أقدم اليهود على تدمير معماريتها. ومَن يزور اليوم مقام النبيّ يامن يشهد على التدمير المعماري الذي قامت به مجموعة من اليهود المُتديّنين خرجوا من السجون مؤخراً واستوطنوا في المقام. أضافت هذه المجموعة على المقام الجميل والمتواضع ألواح الزينكو والتنك والشوادر ليتسعّ لأكبر عدد منهم. ويمكن رؤية أكوام من الطعام والزبالة التي تنبعث منها الروائح الكريهة. بالمناسبة: تُسيطر على غالبية المقامات التي تشبه مقام النبيّ يامن مجموعات من خريّجي السجون اليهود الشرقيين، الذين دخلوا إلى السجون كأناس تقليديين وخرجوا منها مُتديّنين مُتشددين على هامش المجتمع "الإسرائيلي".

قبل سنوات عدّة زرت مقام أبو السعيد الضرير المتواجد في غابة جميلة جداً على أنقاض قرية عموقة المنكوبة في قضاء صفد. وقد حوّله اليهود إلى مقام "يونتان بن عوزئيل" (من القرن الثاني الميلادي). وحاله هو الآخر أسوأ بكثير من حال مقام النبيّ يامن؛ قسّم اليهود المقام إلى قسم للرجال وآخر للنساء، وفصلوا بينهما بمئات الأمتار المربّعة من الصفيح والزينكو والتنك والشوادر حتى صار يبدو من بعيد مثل حيّ من أحياء الصفيح. وبما أن اليهود استحدثوا للمقام وظيفة المُساعدة على الحمل والإنجاب، فإن الزائر يرى آلاف قطع الملابس الداخلية التي تتركها اليهوديات مُعلّقة على الأشجار المُحيطة والسور الذي يفصل مكان النساء عن الرجال، على أمل أن يحبلن ويُنجبن. لذا بات المقام يُسمّى باللغة العبرية الشعبية "رابي الكلاسين والصداري/ الكيلوتات والستيانات".

إن إبقاء قطعة من ملابس امرأة لم تتمكّن من الحبل والولادة على مقام ما أو شجرة زيتون (مُبارَكة) ظاهرة معروفة عند أتباع الأديان اليهمسلامية وقد أشبعها الأنثروبولوجيون دراسةً وبحثاً.


قبر رابي الكلاسين والصداري
قبر رابي الكلاسين والصداري

نستنتج أن المؤسسة الصهيونية بأذرعها المُختلفة اعتمدت خمسة محاور رئيسية حكمت عملية تهويد المكان الفلسطيني، لأجل الربط بين ماضي اليهود الديني وحاضرهم الاستعماري السياسي: ثلاثة من هذه المحاور اعتُمدت بعد النكبة مباشرة ولا تزال مُستمرة إلى اليوم، ومحوران تم اعتمادهما بعد عدوان عام 1967 ولا تزال مُستمرة إلى الآن:

المحور الأول- تهويد خط سير "تل أبيب"- القدس: بدأ هذا المحور في العام 1950. واستهدف تهويد خط السير المذكور وفقاً لأساطير تناخية وتلمودية وخرافات شعبية أخرى و"بطولات" اليهود في حروبهم العدوانية ضدّ العرب قبل العام 1948. فقد اختار المُختصّون هذه المنطقة  لأسباب عدّة. يذكر الباحث سبباً واحداً منها، ألا وهو وجود الأماكن المُقدّسة اليهودية ضمن حدود الدولة الأردنية، أي القدس والضفة الغربية قبل الاحتلال الثاني عام 1967. لذا توجَّب إيجاد بديل قريب منها. أما السبب الثاني الذي لم يذكره الباحث فهو كون خطّ السير هذا يربط أكبر تجمعين للمُستعمرين الصهاينة في فلسطين "تل أبيب" والقدس. وكون خط السير هذا يربط كافة المستعمرات الصهيونية بعاصمتهم القدس. لذا لجأووا إلى زرع هذه الأماكن لتصبح جزءاً من التربية اليهودية الصهيونية للذين يسافرون يومياً- وهم بمئات الآلاف- من بقية أرجاء الكيان إلى القدس ومنها.

المحور الثاني- تهويد العديد من الأماكن المُقدّسة الإسلامية من الساحل إلى الجليل: حدث هذا بعد النكبة مباشرة، واستمر بكثافة حتى سبعينات القرن الماضي. أما القاعدة التي حكمت هذا النمط من التهويد فهي القاعدة الاجتماعية. فبعد أن سيطر المُستجلَبون من اليهود العرب على المزارات الإسلامية في القرى المنكوبة، قامت المؤسسة بتنظيمها وجعلها جزءاً من مسار السير الذي يسافر فيه المُستعمرون الصهاينة أثناء إجازاتهم وأعيادهم من جنوب البلاد ووسطها إلى مُستعمراتهم في الجليل وطبريا؛ أي أن البُعد الاجتماعي السياحي الداخلي كان محورياً. وهو بعد تربوي كذلك يقول لليهود أن جذوركم ممتدّة أيضاً في الساحل والجليل. وتكثر المقامات الإسلامية التي تم تهويدها في هذه المنطقة.

مثلا تمّ تحويل ضريح يعود إلى شخص مسنّ من قرية كفر عنان المنكوبة (بالقرب من قرية المغار الحالية- قضاء طبريا) إلى "قبر الرابي حلفتا وأبنائه". اختار اليهود جمع آل حلفتا في قبر واحد لأن عائلتهم تتناسل رجال دين يهود عديدين (الجدّ، والابن والحفيد ...وغيرهم).


مقام أبو السعيد الضرير قبل تدمير جماليته
مقام أبو السعيد الضرير قبل تدمير جماليته

وأقدم المُستعمر اليهودي "تسفي كوهين" من منطرة "هوشعيا" التي أقيمت على أنقاض قرية صفورية المنكوبة على دفن كلبته "لاسي" بالقرب من أحد الوديان التي تكثر في المنطقة. وبعد  سنوات عدّة فتح القبر وأعلنه "قبر الرابي آسي" وبدأت قطعان المؤمنين اليهود بزيارته رغم علمهم أن المقبور فيه كلب!


قبر لشخص مُسلم تحوَّل إلى مقام الرابي حلفتا وأولاده
قبر لشخص مُسلم تحوَّل إلى مقام الرابي حلفتا وأولاده

المحور الثالث- اختلاق العديد من النقاط المُقدّسة في الجنوب: اختلقت المؤسسة مزاراً في بئر السبع يربط نبيّهم "أبرهام" بالمدينة. وفي أقاصي الجنوب في أم الرشراش/ "إيلات" قامت المؤسسة بتنظيم احتفال سنوي لـ"ذكرى خروج بني إسرائيل من مصر".

المحور الرابع- تهويد مدينة القدس: بدأت هذه الخطة مباشرة بعد احتلال ما تبقّى من مدينة القدس عام 1967. فقامت السلطات المُختصّة بالسيطرة الكاملة على كل حجر بادعاء أنه يهودي. وقامت بهدم حارة المغاربة وتجريفها وتهجير أهلها من أجل توسيع حارة اليهود. وكذلك سيطرت على مئات البيوت والمحّال التجارية في المدينة. ولا تزال محاولات السيطرة على ساحة البُراق ومحاولات هدم الأقصى جارية.

لا تزال الخليل ضمن هذه الخطّة. فقد سيطر الاحتلال على الجزء الأكبر من البلدة القديمة فيها وقسّم الحرم الإبراهيمي. وكذلك استملك مسجد بلال بن رباح وقبر "راحيل" في بيت لحم.

يترافق مبدأ تهويد المكان وتقديسه مع طرد العرب (الجوييم) منه، وتدمير المنازل والطبيعة. والحرب على تهويد كل من القدس والخليل مستمرة على مدار الساعة. وللأسف الشديد يُسجّل اليهود النقاط تلو النقاط في حروبهم هذه، أما العرب والمسلمون فيكتفون بتأليف أناشيد خالية من أي بُعد فنّيّ.


قبر الكلبة "لاسي" تحوَّل إلى مقام "النبيّ آسي" ويهودي مُتديّن يؤدّي الصلاة عليه
قبر الكلبة "لاسي" تحوَّل إلى مقام "النبيّ آسي" ويهودي مُتديّن يؤدّي الصلاة عليه

المحور الخامس- تهويد المزارات الإسلامية في الضفة الغربية وسيناء والجولان: بعد الاحتلال مباشرة أعلن الجيش "الإسرائيلي" مسؤوليته الكاملة عن الأماكن المُقدّسة. سيطر في البداية على الأماكن التي اعتقد أنها يهودية، مثل "قبر يوسيف" في نابلس. وأعْمَل البحث من أجل تهويد الأماكن المُقدّسة التي يُعتقد أن أصلها يهودي؛ مثلا: "اكتشفوا" في قرية عورتا في منطقة نابلس قبور كل من "إليعزر وإتمار إبنا أهارون وبنحاس بن إليعزر ومغارة السبعين شيخاً"، والعديد من المزارات التي تحمل إشارة يهودية؛ مثلاً تمّت السيطرة على قبر "النبيّ يهوشع" بحجّة أنه "قبر يهوشع بن نون التناخي". وهكذا تمّت السيطرة على هذه المزارات وتهجير الأهالي الذين كانوا يسكنون قربها ومُصادرة مئات آلاف الدونمات بحجّة "تطويرها".

تكثُر في الآونة الأخيرة الدراسات اليهودية التي تُشير إلى أصل وعروبة المكان والفضاء في فلسطين، اعتقاداً من كُتّابها ومُثقّفيها بأن نقد أو نقض روايتهم الرسمية يجعلهم يصبغون الشرعية عليها ويُعيدون استملاكها. خاصة وأن العرب يعانون من عجز مُستمر عن الدفاع عن فضائهم وإعادة إنتاجه معرفيّاً.





المصدر : الميادين نت