أحمد أشقر

باحث في الديانات المقارنة، ومترجم عربي - عبري. كتب العديد من المقالات والكتب. له أربعة كتب منها: مكانة النساء في العقائد اليهمسلامية- من المسؤولية عن الخطيئة الأولى إلى التبرئة؛ وقصة لوط التناخي وديناميكية العداء للآخرين.

بين بداوة الأمّة وحواضرها، ابن رشد مقابل ابن تيمية.

قبل خمسة أعوام تقريباً، انفجر الاحتقان الذي أنتجته سلطات الأنظمة العربية القُطرية النهبوية ضدّ شعوبها في كل من تونس ومصر وسوريا واليمن، (وبصورة أقلّ حدة في البحرين). وتمت عنونته بالربيع العربي والثورات العربية. إلا أن الواقع يشير اليوم إلى أن ما يحدث في هذه الأقطار ليس إلا تدميراً ذاتيّاً تقوم به طبقات أفقرتها أنظمتها ماديّاً ومعنويّاً وروحيّاً، تقودها قوى ظلامية ارتهنت لمنظومة من أفكار التصحّر والتوحّش، ووجدت من الأعداء الخارجيين حلفاء طبيعيين لها.

"تقديم هذه الرموز للإسلام هو الذي مهّد الدرب للحركات الإسلامية الأكثر رجعيّة ودمويّة في تاريخ الإسلام".
"تقديم هذه الرموز للإسلام هو الذي مهّد الدرب للحركات الإسلامية الأكثر رجعيّة ودمويّة في تاريخ الإسلام".

ما يحصل في كل من مصر وسوريا محاولة للقضاء على آخر حاضرتين قوميتيّن للأمة في العصر الحديث. الأولى مصر التي كانت حاضرة القومية العربية المدينية في الفترتين الفاطمية والناصريّة؛ والثانية سوريا التي كانت حاضرتها في الفترة الأموية. إضافة إلى مصر وسوريا، شكل العراق الحاضرة القومية المدينية للأمة في العصر العبّاسيّ، وحاول صدام حسين تجديد حاضرتها منذ سبعينيات القرن الماضي (...)، وكانت الجزائر حاضرتها في شمال أفريقيا في فترة ما بعد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي إلى تسعينيناته.


هدفت هذه الحواضر إلى بناء دول قوية ذات بعد قومي، وقطاع عام قوي، مع ملامح مدينية علمانية واضحة أحياناً وضبابية أحايين أخرى. في المقابل لم تحاول قوى التجديد الديني العمل من أجل الوحدة الدينية للدول العربية والإسلامية. لكننا عندما نعود إلى قراءة تلك المتغيرات من خلال مقولة العرب "الأمور في خواتيمها"، نقرأ إخفاق هذه الأنظمة والنخب بالكامل ما شكّل سبباً لإخفاق الحواضر.


إنما الحديث عن اتباع "داعش" منهج "شيخ الإسلام" ابن تيمية (1263- 1328) سواء من مؤيديه أو من منتقديه، يصبح فقه ابن تيمية مثاراً للحديث بين مؤيد وناقد ورافض، دون معرفته معرفة تؤسس لرفض مفاهيمه وفقهه قبولاً أو نقداً أو رفضاً قاطعاً، ودون الغوص عميقاً في منابع هذه المفاهيم وهذا الفقه. لكن ليس من الإنصاف ربط "داعش" مباشرة بابن تيميّة. خاصة وأن لابن تيمية صفات أخرى تدعونا للإقتداء به مثل مقاومته غزو التتار للشام عام 1303، حين قال: "قتال هؤلاء واجب بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق المسلمين".


ولن ننسى محاولاته في الإصلاح الإداري منعاً للفوضى والفساد وهو الذي عاش في فترة تردّي العرب ــ المسلمين، وتعرض بلاد الشام للاحتلال التتاري. لكن، هل ابن تيميّة بريء من الاتهامات الموجهة إليه؟ بالطبع، لا. لذا يجب قراءته والتعامل معه في سياق أوسع؛ أي في سياق المنابع التي غَرَف منها من حنابلة وغزاليين؛ أتباع الإمام أحمد بن حنبل (780- 855) والإمام أبي حامد الغزالي (1058- 1111)؛ وكذلك في سياق من أتوا بعدهما وسلكوا مسالكهما في الفقه والمعاملات أمثال مؤسس الوهابية، مرجعيّة نظام آل سعود، محمد بن عبد الوهاب (1703- 1791) ورشيد رضا (1865- 1935) والباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903- 1979)، وعبد الله عزام (1941- 1989)، وهو ذاته السياق الذي أنتج أبو مصعب الزرقاوي (1966- 2006)، وأسامة بن لادن (1957- 2011).


ما علاقة المذكورين الثمانية بموضوعنا؟

1- يعتبر هؤلاء جميعاً من المتشددين فقهياً في المعاملات. ويمكن اعتبار الحنابلة أكثر المذاهب تشدداً في الفقه الإسلامي. وهم الذين شكلوا مرجعيات لمن خلفوهم من المذكورين باستثناء الغزالي، الذي كان شافعياً.

2-جميعهم أعلوا من شأن النقل على العقل. قال ابن تيمية عن هذا المنهج: "يقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دلّ على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول (ص)، [...]". واعتبر ابن تيمية العقل غير كاف لفهم الصفات الإلهية والخطاب الديني، وعارض بالتالي منطق العقليين. وعلى هذا النهج سار الثمانية المذكورين أعلاه.

3-هاجم ابن الغزالي العقل، أي الفلاسفة، في كتاب يُعتبر الأهم في علم الكلام الإسلامي "تهافت الفلاسفة" الذي تناول فيه عشرين مسألة في الإلهيات والطبيعيات يأخذ الفلاسفة بها. فبدّعهم في سبع عشرة مسألة وكفرّهم في ثلاثة مسائل وهي: قِدم العالم، بعث الأرواح دون الأجساد، وأهمها- بتقديري على الأقل- هي مسألة أن الله يعرف الكليّات دون الجزئيات (سنعود إلى هذه المسألة عند حديثنا عن ابن رشد). بكلمات أخرى: رفض الغزالي الفكر والنشاط العقليين وأعلى من شأن النقل (دون نقده) كثيراً. عاش الغزالي في فترة الغزو الصليبي لبلاد العرب، لكنه لم يكتب كلمة واحدة ضدّه علماً أنه كتب "400 قِرطاساً" كما يقال عنه (سيقول بعض الغزاليين أن شيخهم وفق بين العقل والنقل. لكن هذا غير صحيح برأيي).

4-كان محمد بن عبد الوهاب حنبليّاً متطرفاً، واعتبر أن الإسلام الصحيح هو الذي وضع أسسه ابن تيميّة. ورفض شرعية الاختلاف في الإسلام بقوله: "من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل معنا فهو كافر حلال الدم والمال". وكان بدوياً جلفاً رفض مظاهر العمران الموروثة، فقام بهدم العديد من المعالم الأثرية الإسلامية في مناطق سلطته في شبه جزيرة العرب. ويمكننا أن نرى في من يأخذون بفقهه عداءهم للعمران والإختلاف، إلى درجة أن آل سعود لم يُبقوا على معلم أثري واحد من الإسلام الأول، ولولا معارضة منظمات معمارية أجنبية لهدموا قبر الرسول (كما تداولت وسائل الإعلام مؤخراً) وأتموا تحويل كلّ من مكة والمدينة (مهد الإسلام) إلى غابة إسمنتيّة "مدينة سوداء- مدينة بيضاء".

5-اعتبر رشيد رضا الوهابية تجديداً للإسلام "على طريقة الشيخ ابن تيمية (كتاب "الوهابيون والحجاز"، 1926). وكان رضا على علاقات طيبة مع يهود القاهرة في بداية المشروع الصهيوني. وأكد كذلك على عداء الإسلام للقومية العربية.

6-كان أبو الأعلى المودودي من المحرضين على انسلاخ باكستان عن الوطن الأم، الهند. وبذلك يكون قد أسهم في تقديم خدمة استراتيجية للاستعمار البريطاني في حينه. وكان صاحب فكرة "الجامعة الإسلامية" في المدينة في العام 1962، وقد تخرج منها آلاف الطلبة من كل أرجاء العالم الإسلامي وفق المنهج الوهابي. وحرّض أتباعه العرب المسلمين ضد العروبة.

7-يعتبر عبد الله عزام أبرز مريدي المودودي، ويعتقد أن العلاقة بين القومية العربية والإسلام يجب أن تكون صدامية، لذا وهو الفلسطيني- الأردني غادر "أرض الرباط" (العربية) ضمن قوافل الـC.I.A —بواسطة أسامة بن لادن— والتي جندت ربوات من شباب المسلمين لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، بينما "الأقصى الشريف" لا يزال تحت بساطير الاحتلال.

8-الذي يقال عن عزّام يمكن قوله عن أبي مصعب الزرقاوي الذي ذهب إلى العراق قبيل الغزو الأمريكي-البريطاني عام 2003 وأسهم إسهاماً كبيراً في خلط المقاومة بالإرهاب.



 "ابن رشد قال  بالمساواة بين الرجال والنساء"
"ابن رشد قال بالمساواة بين الرجال والنساء"

تقديم هذه الرموز للإسلام هو الذي مهّد الدرب للحركات الإسلامية الأكثر رجعيّة ودمويّة في تاريخ الإسلام. ونجمل القول أن جميعهم تعاونوا أو صمتوا تجاه أعداء الأمة الخارجيين (باستثناء ابن تيمية). كما أن جميعهم حيّدوا العقل وحاربوه. وجميعهم ناصبوا الثقافات والحضارات التي سبقت الإسلام العداء كمثل تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان وتدمير شواهد حضارة بلاد الرافدين في العراق. وجميعهم عملوا على تدمير شواهد عمران المسلمين الذين سبقوهم مثل تحطيم أضرحة الصحابة في الجزيرة مثلما فعلوا بتماثيل المعري‒ أحد أبرز رموز العقل عند العرب (973- 1057)، وابن عربي‒سلطان العارفين (1165- 1240) في الشام. ليقدّموا لنا إسلاماً بدويّاً عنيفاً ومنفلتاً من أيّ عقلٍ وعِقال.
وفي مقابل هذه الرموز بدأ ابن رشد نهجه ناقداً لكل من سبقه من متكلمين وأشاعرة وفلاسفة (والنقد أساس الإبداع)، وتحديداً مسألة تغليب النقل على العقل أو التوفيق بينهما. ووضع الحكمة التي هي العقل أو الفلسفة أساساً لمنهجه في فكره وفلسفته. ونقصد "الحكمة" التي هي المنهج العقلي أو الفلسفة. وقرأ ابن رشد أرسطو (384- 322 ق. م) الذي سبقه بستة عشر قرناً من منطلق نقديّ أيضاً، وشرحه وترجمه. وسرعان ما شقّ طريقاً مستقلاً. ويعتبر أرسطو أول من أعلى شأن المنطق والعقل بين الفلاسفة والمفكرين.

تمكن ابن رشد من استخدام مقولات وأدوات ومناهج من خارج المعتقدات الدينية لفهمها وقام بتطويرها لتواكب الراهن وحوّلها نهجاً لفهم الأديان كافة. لذا استعارها الأوروبيون (المسيحيون) في معركة التنوير التي لم تكن أقلّ قسوة ممّا يجري في بلادنا. وصفت الكنيسة الكاثوليكية ابن رشد بـ"الكلب الكَلِب" وعاقبه دانتي (1265- 1321) بالجحيم.

إن القيمة العليا لابن رشد تكمن في إمكانية استخدام فلسفته خارج وداخل الأديان مع بقائها مستقلة عنها. أضاف ابن رشد "الحكمة" كمصدر جديد من مصادر التشريع (إلى جانب القرآن وما صحّ من السنة عند السنة. أما عند الشيعة والأباضية فالأمر يختلف كثيراً، وليس في إطار بحثنا هنا). يُقال أن ابن رشد أراد "التوفيق" بين الدين والفلسفة في "فصل المقال ما بين الشريعة والحكمة من اتصال"، إلا أنّني أعتقد أنه أراد الغَلَبة للحكمة (الفلسفة)؛ "إن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته"- كما قال.
وأكد ابن رشد على ضرورة التأويل في النصوص (المنهج الذي رفضه الغزاليون) بحيث تخضع للبرهان العقلي ويجري تحليلها بمنطق الملاحظة والتجربة والاستنتاج. عرض ابن رشد فلسفته في كتابه "تهافت التهافت" الذي ردّ به على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة". وكما أشرت سابقاً في هذا المقال أن أهم مسألة في النقاش الذي لا يزال دائراً إلى يومنا الراهن بين أتباع كلاً منهما هي معرفة الله بالكليّات (التي قالها ابن رشد) أو بالكليّات والجزئيات التي قال بها الغزالي وأتباعه. فقد نفى ابن رشد معرفة الله بالجزئيات. ويكون بهذا قد اعتبر نشاط الإنسان وتفكيره الحرّ مستقلاً عن الله. أي أنه، الإنسان، هو العامل الأساس في الحياة بكل حقولها ومستوياتها؛ أي الإنسان حرّ بما يفعل ويقول ومسئول أيضاً عن أفعاله وأقواله. استعار الغزالي مقولته المذكورة من نظرية "الفيض" (Apoxa) في الأفلوطونية المحدثة.

وقال ابن رشد بالمساواة بين الرجال والنساء بدليل مقولته: "قلت: إن النساء من جهة وأنهن نوع واحد (مع الرجال) في الغاية الإنسانية، فإنهن يشتركن وإياهم [الأفعال الإنسانية] وإن اختلفن عنهم (عن الرجال) بعض الاختلاف [...]". وأضاف أيضاً: "[...] فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير ذلك" (مختصر كتاب السياسة لأفلاطون). وعندما كان قاضياً حارب ابن رشد عسف النظام فأعاد أملاكاً لأصحابها بعد ثمانين سنة من مصادرتها منهم.

في تراثنا الغث والسمين وفي تاريخنا الحواضر والبوادي وفي حاضرنا توحّش ومقاومة التوحّش وفي مقابل الغزالي وابن تيمية راهنية ابن رشد.