رانا أبي جمعة

إعلامية وكاتبة لبنانية

أين "ملالا" العرب؟

على الرغم من كل الانتهاكات الفاضحة للقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان لم يخرج عبر وسائل الاعلام الغربية ملالا فلسطينية واحدة، حتى إن الفتاة فرح التي انتشرت تغريداتها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة لا يسمع لها صوت اليوم.

تعود قصة ملالا، لتؤكد أنه لا أمل في أن يتبنى الغرب أي حقوق مشروعة للمواطن العربي.
تعود قصة ملالا، لتؤكد أنه لا أمل في أن يتبنى الغرب أي حقوق مشروعة للمواطن العربي.

أشك أن هناك أحداً في العالم لم يسمع بالفتاة الباكستانية ملالا يوسفزاي. تحولت مع جور حركة "طالبان باكستان" التي حكمت منطقتها (وادي سوات/ شمال باكستان) لفترة من الزمن إلى ناشطة عالمية تطالب بحقوق التعليم للأطفال خصوصاً الإناث منهم.

 

مع كثرة الاخبار التي تذكر الفتاة الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2014 أصريت على قراءة روايتها ولو متأخرة "أنا ملالا".

 

تروي ملالا، قصتها الكاملة ابتداءً من سبب تسميتها من قبل أهلها وقد كان تيمناً بالبطلة الأفغانية ملالاي مايواند. الاخيرة عرفت بـ"جان دارك أفغانستان" اذ كانت ملهمة الجيش الأفغاني مع دخولها ميدان المعركة التي ألحقت الهزيمة بالبريطانيين عام 1880، مروراً بدخولها إلى عالم التدوين تحت اسم مستعار وهو "جول مكاي" بطلب من موقع "بي بي سي". سردت خلال تدويناتها الصعوبات التي تواجه أهالي وادي سوات في ظل حكم "طالبان" وكيف أنها ووالدها آثرا النضال والدفاع عن حق الفتيات في التعليم، وصولاً الى استهدافها مباشرة من قبل مسلحي طالبان وهي عائدة في حافلة المدرسة إلى منزلها ما اضطر نقلها وهي فاقدة للوعي الى خارج البلاد وتحديداً إلى مدينة برمنغهام البريطانية.

 

الرواية جميلة وقصة ملالا محفزة لكنها مستفزة في الوقت نفسه. تعود قصة ملالا، لتؤكد أنه لا أمل في أن يتبنى الغرب أي حقوق مشروعة للمواطن العربي ويجعل وسائل اعلامه تثرثر بها، إلا إذا كانت تصب في مصالحه السياسية، فلسطين، سوريا، واليمن مثالاً بسيطاً على ذلك.

 

أطفال الزنازين والقتل المتعمد في فلسطين المحتلة لا يمكن المطالبة بحقوقهم التعليمية فقط، بل باخراجهم من السجون الإسرائيلية أولاً. حسب "الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فرع فلسطين"، يقبع أكثر من 400 طفل في أسر الاحتلال الإسرائيلي، منهم 15 طفلة، و7 محكومون إدارياً، واجهوا مختلف أنواع التنكيل والانتهاكات، ليس فقط خلال التحقيق معهم ولكن أيضاً خلال عملية اعتقالهم.

 

بعيداً عن دائرة الاعتقال والأسر، يبرز القتل المتعمد الذي ينتهجه الاحتلال بحق الأطفال. منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية بداية اكتوبر/ تشرين الأول الماضي، استشهد ما لا يقل عن 45 طفلاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، منهم 5 أطفال إناث، عدا عن المصابين. الأرقام نشرتها الحركة، خلال بيانها في يوم الطفل الفلسطيني.

 

وعلى الرغم من كل الانتهاكات الفاضحة للقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان لم يخرج عبر وسائل الاعلام الغربية ملالا فلسطينية واحدة، حتى إن الفتاة فرح التي انتشرت تغريداتها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة لا يسمع لها صوت اليوم. من يتذكر محمد الدرة، فارس عودة، ايمان حجو، وغيرهم الكثير. أطفال ذكروا عند استشهادهم واصبحوا ذكرى للبعض ليس اكثر. ولعل الانتفاضة الفلسطينية الحالية أبرزت اطفالاً يدافعون عن أنفسهم وأرضهم ولو بسكين، لكن يصورهم الإعلام الاسرائيلي على أنهم إرهابيون. لكن لا دور للاعلام العربي بكل ما يجري كداعم أساسي في المعركة الوجودية الحقيقية في فلسطين. فوسائل الاعلام العربية بمعظمها مأخوذة بصب الزيت على نار الفتن المتنقلة في دولنا العربي. الأطفال تحولوا إلى أرقام يقذفها كل محور بوجه الآخر في دلالات على وحشيته عله يكسب الرأي العام العربي أو حتى الغربي ليس إلا.

 

أما في سوريا، لا مكان للأطفال والطفولة، فـ"داعش" ليس ببعيد عن ذهنية "طالبان باكستان" وممارسات هذا التنظيم على مدار السنوات الماضية دليل على ذلك. تتشابه هذه التنظيمات مع العصابات الصهيونية التي عادت وشكلت كياناً يضطهد كل شيء. فما يجري في الرقة السورية يتساوى مع ما يحصل في مخيم قلنديا المقدسي مثلاً. السجن واحد ولو بطرق مختلفة وأشكال القمع والقتل تتعدد. "دولة البغدادي" تقوم على الجثث مثل "دولة هرتزل". لكن العامل الزمني للدولتين يختلف. وفي وجه الشبه، "امارة الجولاني" التي اغلقت مثل داعش المدارس وانتهكت حرمة التعليم ووضعت النساء والفتيات في زجاجة لا يمكن الخروج منها. وحاولت "جبهة النصرة" أن تكون مرنة قليلاً فسمحت لبعض الفتيات بالتعليم لكن بشروط مشددة. تعد سوريا كارثة القرن الواحد والعشرين، فحسب تقرير صادر عن مؤسسة "اليونيسف" أخيراً، فحوالي  3.7 مليون طفل سوري (أي طفل من بين ثلاثة أطفال سوريين ولدوا منذ بدء الأزمة السورية عام 2011)، لم يعرفوا سوى العنف والخوف والنزوح.

 

وتقدر "اليونيسف" وفقا لتقريرها بعنوان "لا مكان للأطفال"، أن "ما مجموعه 8,4 مليون طفل أي أكثر من 80 في المئة من الأطفال في سوريا تأثروا بالأزمة السورية، سواء في داخل البلاد أو كلاجئين في الدول المجاورة."

 

ويضيف التقرير الصادر خلال شهر مارس/ آذار الماضي، أن المنظمة تحققت من حدوث ما يقرب من 1,500 انتهاكاً بحق الأطفال في عام 2015. وكانت أكثر من 60 في المئة من هذه الانتهاكات هي حالات القتل والتشويه نتيجة استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان. وقُتل أكثر من ثلث هؤلاء الأطفال أثناء تواجدهم في المدرسة أو في طريقهم من وإلى المدرسة. وهنا نعود إلى قصة ملالا، لنتساءل أيعقل أن في سوريا لا يوجد ملالا، يمكنها أن ترفع صوت الإنسانية والطفولة عالياً؟! أليس من ملالا في سوريا يمكن الوصول إليه أو إليها لتسرد يوميات الحرب الأليمة علها يهتز الضمير العالمي؟! أيعقل ليس هناك سوى إيلان واحد، أنقذ شيخوخة أوروبا عبر اللاجئين الشباب وليس هناك من إيلان ثان ينقذ سوريا من حرب مدمرة فيها وعليها؟!

 

اما في اليمن فأطفال على حافة الهاوية، يتبين من تقارير المنظمات الدولية أنهم من يدفع أثمان "عاصفة الحزم" التي دخلت عامها الثاني. وفقاً لتقرير أصدرته "اليونيسف" يحمل عنوان "أطفال على حافة الهاوية" والتي حققت خلاله في أكثر من 1560 حالة من الانتهاكات ضد الأطفال، كانت النتيجة مقتل أكثر من 900 طفل وإصابة اكثر من 1300 آخرين خلال عام واحد، ما يعادل مقتل أو أصابة ستة أطفال يومياً خلال العام الماضي.

 

اشار التقرير الى أن أرقامه ليست سوى غيض من فيض كونها لا تشمل إلا حالات استطاعت المنطمة التحقق منها، فهناك أكثر من 50 مدرسة تعرضت للاعتداء ما أدى الى قتل بعض الأطفال وهم في داخل  المدرسة او في الطريق ذهابا وايابا.

 

بالنسبة لملالا وروايتها، يمكن القول إن المصالح الغربية وفي مقدمتها الأميركية تستوجب إبرازها كرمز، فهي ضرورة لتحسين صورة الولايات المتحدة التي كانت وراء ظهور حركات التطرف كتنظيم "القاعدة" و"طالبان" لمحاربة السوفيات في أفغانستان قبل أن تعود وتنقلب عليها عبر أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001.

 

كما أنها تأتي بمثابة تكفير النظام الباكستاني عن ذنوبه إذ تخطى الخطوط الحمر بدعمه القوات الأميركية خلال غزو أفغانستان، ما قيل إنه أضر بالأمن القومي الباكستاني ، فانعكس سلباً على الوضع الداخلي وعلاقات اسلام أباد بجيرانها.

 

في الرواية تشديد على تمسك ملالا وأهلها بدينهم الحنيف، وفيها تأتي الفتاة الصغيرة على ذكر قصة بني إسرائيل وخروجهم من مصر وتتطرق أيضاً الى ما يعرف بـ"المحرقة اليهودية" الجدلية.

 

الفتاة تصف نفسها أنها نشأت في بلد تأسس في منتصف الليل وأنها عندما كانت على شفا الموت كان الوقت تجاوز منتصف النهار بقليل. تكرر أكثر من مرة حلمها بدخول عالم السياسة في بلادها على غرار رئيسة الوزراء الراحلة بينظير بوتو. وقد لا يكون  حلمها بعيد المنال في المدى البعيد، فيما تتقلص أحلام أطفالنا ربما بوصول قارب متهالك الى شط آمان أو ربما الهروب من موت يحلق فوق رؤوسهم ينتقى ضحاياه بكل لؤم وخبث ليس إلا، لأن ملالا لم تظهر عربياً حتى الآن.