نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

الوحدة.. ثمرة الحد الأدنى للصراع في سوريا

المشروع المرتقب للمنطقة غير معروف، ولا واضح المعالم، ولم يباشر أحد بطرحه بعد... السبب بديهي لأنه يتحدد وفق محصلة ميزان القوى العسكري في المعارك الدائرة على الأرض في سوريا. ولو قيّض للتحالف الغربي بريادة الولايات المتحدة الأميركية الانتصار في سوريا، لطبق مشروعها الذي عرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، أي تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية، تجزيء المجزأ باتفاقية-سايكس بيكو، وتزيده إمعاناً في التجزئة والتفرقة.

الدمار في سوريا.. هذا ما خلفته الحرب
الدمار في سوريا.. هذا ما خلفته الحرب

من أغرب المفارقات التاريخية أن تحرص القوى المتضررة من تجزئة المنطقة على عدم خرق حدودها، وإن فعلت اضطراراً فبخجل، بينما تقدم القوى التي خططت ونفذت التجزئة على خرق الحدود دون تردد عند حاجتها إلى ذلك.

 

وفي المسار التاريخي للمنطقة انها اتخذت مساراً توحيدياً طالما أخاف الآخرين، فسعوا إلى ضرب ما تشكل من أشكال وحدوية. يمكن العودة بذلك إلى حركة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، خارجاً من مصر، وساعياً إلى تمدد سلطته في حركة أشبه بإقامة دولة واحدة، حديثة وقوية، تجمع مصر والشرق الأدنى العربي. حركة أرَقت الدول الغربية الساعية للسيطرة على المنطقة، فضافرت قواها، ومنعت إقامة دولة واحدة عربية وقوية.

 

لطالما كانت دورة الحياة تتكامل على المستويات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة بصورة طبيعية، وتنزع نحو الوحدة بصورة تلقائية عفوية، دون أن تتكون لها دائماً قيادة تجسدها في تشكيل سياسي- إداري. وكانت الحركة تقلق الغرب بتجدد نزوع المنطقة نحو الوحدة، فلم يكن من بدّ له إلا أن يعتمد سياسات إضعاف المنطقة.

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لا نأتي بجديد في القول بلجوء الغرب الاستعماري لتكريس تجزئة المنطقة بطريقة مشرعنة عبر اتفاقية سايكس- بيكو المعروفة، والتي نجم عنها تشكيل الدول المستمرة بالصيغة التي فرضتها الاتفاقية.

 

قسم الانكليز والفرنسيون المنطقة، وشكلوا دولها، ورسموا حدودها وفق ما رأوه مناسباً لمصالحهم الاستراتيجية، فكانت الدول التي لا نزال نعيش صيغتها حتى اليوم. وعندما كانت تبرز بين الحين والآخر محاولات توحيدية، كان الغرب يسعى لإجهاضها، وعرقلة قيامها، فشكل المسار التوحيدي لحركتي جمال عبد الناصر والبعث سوء طالع لمشاريعهما التوحيدية، واستدرج الغرب لمواجهتهما. وبين قصور الطرح الوحدوي، وشراسة الهجوم الغربي، أجهضت مشاريع التوحيد، وأعيد تكريس التجزئة على أرضية اتفاقية سايكس- بيكو.

 

كل الدول استسلمت للتجزئة، قبل ذلك، وبعده، فقد كان الغرب في عز قوته، ولم تستطع أي قوة تحدي مصالحه، وخارطته الجيوسياسية. وتكرست دول الحداثة-على تشوهاتها- وفق الحدود الراهنة، والتي راعت مصالح الغرب، ونشأت فيها قوى مستفيدة من الدول التي تشكلت، فسعت إلى حمايتها، وتكريس قيامها كدول تتقاطع فيها مصالح الغرب الرأسمالي مع مصالح الطبقات الحاكمة في هذه الدول.

 

وعندما تشكل الكيان الإسرائيلي، وبلغ ذروة قوته، كان من وظائفه ضرب القوى التي طرحت الوحدة، وكان من أساسات تشكله حماية التجزئة، وكبح أي حركة نزوع نحو الوحدة مجدداً، وذلك بدءاً من حرب ١٩٥٦ وحرب ١٩٦٧، وما بعد، وذلك مع تشكل الأحلاف التي رفدت توجه إجهاض المسارات التوحيدية في المنطقة، وخصوصاً منها حلف بغداد الخمسينات.

 

نتج عن المواجهات سقوط الناصرية، برحيل جمال عبد الناصر إثر هزيمته، ودخول دول "البعث" في صراعات كانت أكبر من قدرتها على المواجهة التي كان هاجس الوحدة من أسباب قيامها.

 

ويوم صعد المد الإسلامي في إيران، طارحاً وحدة العالم الإسلامي، متجاوزاً الاختلاف المذهبي، بلغ القلق الغربي ذروته، خصوصاً أن وراء الطرح دولة كبيرة وقوية وناهضة بمفاعيل ثورة شعبية كبيرة، كانت من أهم ما طبع القرن من أحداث. وعلى أثر بروز الطرح الوحدوي لإيران، تحركت القوى الإقليمية المنضوية في التحالف الأميركي خصوصاً منها دول الخليج، واندلعت الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، واستنزفت فيها قوى مختلف الفرقاء المنخرطة في الحرب.

 

إلى أن سقط الاتحاد السوفياتي أوائل التسعينات، وفتح العالم أمام الأميركي الذي لم تعد تكفيه تجزئة مطلع القرن العشرين، فوضع استراتيجية "الفوضى الخلاقة"، ومن أبرز ثمراتها المشروع الذي عرف بـ"الشرق الأوسط الجديد". وبدأ تطبيق هذه الاستراتيجية في العراق، فكانت حرب الخليج الأولى، ثم الثانية، ثم التحركات الشعبية في الدول العربية ما بعد "البوعزيزي"، واندلاع أحداث تونس، وامتدادها، وصولاً إلى سوريا، حيث تحتدم الصراعات ذات الطابع الدولي والإقليمي، والتي فيها سيتشكل الشرق الأوسط الجديد.

 

المشروع المرتقب للمنطقة غير معروف، ولا واضح المعالم، ولم يباشر أحد بطرحه بعد... السبب بديهي لأنه يتحدد وفق محصلة ميزان القوى العسكري في المعارك الدائرة على الأرض في سوريا. ولو قيّض للتحالف الغربي بريادة الولايات المتحدة الأميركية الانتصار في سوريا، لطبق مشروعها الذي عرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، أي تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية، تجزيء المجزأ باتفاقية-سايكس بيكو، وتزيده إمعاناً في التجزئة والتفرقة.

 

المشروع الغربي معروف، وجرى طرحه علانية، ونشرت احتمالات خرائطه المختلفة، لكن مشروع الحلف الشرقي لم تتظهر معالمه، ولم تطرح له نواة عنوان حتى اليوم، رغم أن قوى هذا التحالف الذي دفع الأثمان الباهظة، والتي لا تقدر بثمن بشرياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، لمنع قيام مشروع التفتيت الأميركي، تتقدم ميدانياً في الساحة، وتفرض على العالم اتخاذ قرار بوقف الحرب في سوريا عبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٦٨.

 

الناظر في مسار الأمور يلاحظ بوضوح المزيد من التقدم على جبهة التحالف الشرقي الذي يبدو متنامياً في قواه على الصعد المختلفة، وتراجعاً مطرداً للتحالف الآخر الذي يبدو مأزوماً في بعديه الآني والاستراتيجي.

 

تفترض المعادلة التي استقرت، أقلّه حتى الآن، أن ينزع الحلف الفائز نحو مزيد من توحيد المنطقة ودولها، وإسقاط الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس- بيكو التي لم تكن في صالح قوى وشعوب المنطقة، والتي لم تعد القوى العالمية التي تمكنت من فرضها، وحمايتها سابقاً، قادرة على ذلك اليوم. لا بل يجب أن يكون التوجه إلى الوحدة هو الأولوية، حتى إذا اقتضى الأمر مزيداً من تحقيق الانتصارات، والتقدم الميداني.

 

إن أي نتيجة للصراع لا تأخذ بعين الاعتبار أهمية إسقاط حدود سايكس - بيكو، وفرض وحدة في المنطقة، سيترك للأجيال القادمة حق السؤال عن هدر قوى التحالف الشرقي الراهن للفرصة التاريخية العظمى في تأمين مستقبلها، وبناء دولة واحدة وطنية قوية وقادرة، تقود المنطقة إلى بناء عالم عربي جديد مستقر ومتنام.      


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً