عميرة أيسر

كاتب جزائري

  إجراءات الحكومة الجزائرية لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة

النفق الاقتصادي المظلم الذي تمر به البلاد حالياً راجع حسب الخبراء والمتابعين للشَّأن الداخلي للبلاد إلى انتهاج الحكومات المتعاقبة لسياسات اقتصادية خاطئة، وبالأخصّ منذ سنة 1999 وعدم استثمار واستغلال أكثر من 1000 مليار دولار دخلت خزينة الدولة على مدار ال 17 سنة الماضية في إنشاء بنية اقتصادية وصناعية مُنتجة للثروة، وكذلك لمناصب عمل ثابتة للشباب الجامعي والعاطلين عن العمل، وكذلك إلى غياب النزاهة والحوكمة الاقتصادية الرشيدة والشفافية في صرف هذه الأموال الضخمة، وعدم قيام الجهات الرقابية للدولة بعملية جرد سنوي لممتلكات بعض المسؤولين الذين تحوّلوا بفضل سياسة الولاء والرِّيع المالي إلى أثرياء جدد يمتلكون المليارات من الدولارات، وتكوّنت طبقة من رجال المال والأعمال الفاسدين والذين استولوا على قطاعات اقتصادية مهمة وحسَّاسة>

الخبراء الاقتصاديون يحذرون من انخفاض قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية كالدولار واليورو

الأزمة الاقتصادية الحالية والتي تعصف بالبلاد وأدّت إلى حدوث عجوزات كبيرة في الميزانية، إذ صرّح السيِّد أحمد أويحيى غداة استلامه لزمام الأمور في قصر الدكتور سعدان عوضاً عن سلفه السيِّد عبد المجيد تبون الذي لم يعمّر على رأس الوزارة الأولى سوى مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز 3 أشهر، مُدير ديوان الرئاسة السَّابق والذي يصل إلى سدّة الوزارة الأولى للمرة الرابعة منذ سنة 1995، حيث استلم تسيير شؤون رئاسة الوزراء للمرة الأولى في عهد الرئيس السَّابق اليمين زروال حفظه الله، فالرجل الذي تُعرف عنه الحنكة والمرونة العالية في التسيير والدَّهاء السياسي الكبير، أكّد بأن الخزينة العمومية شبه فارغة ولا يوجد فيها أكثر من 500 مليون دولار، فيما البلاد تحتاج إلى حوالى 2 مليار دولار شهرياً لدفع رواتب الموظفين في القطاع العمومي، وتمويل ميزانية التَّجهيز والتَّسيير، وكذلك الإبقاء على مُعدل النمو الحالي للاقتصاد الوطني رغم أن نسبة التضخّم حسب الخبراء الاقتصاديين تتراوح ما بين 11 إلى 15% وسترتفع إلى أربعة أضعاف سنوياً، فالعجز في الميزان التجاري وارتفاع فاتورة الاستيراد والتي قفزت من 10 مليارات دولار في سنتي 2000-2001 إلى حدود 65 مليار دولار في سنة 2017، وبلغة الأرقام فإن احتياطي الصرف من العملة الصعبة والذي يقدّر بحوالى 102 مليار دولار برسم السنة الحالية، وبانخفاض قُدّر بأكثر من 30% عن العام الماضي والذي يشهد تدهوراً مستمراً نتيجة لجوء الدولة إلى استنفاذ مدّخراته لتمويل العجلة الاقتصادية، علماً بأنَّ الميزانية العامة للدولة والتي تعتمد على مداخيل البلاد من العملة الصعبة عن طريق تصدير البترول ومشتقاته، حيث أن هناك أكثر من 90% من الأموال الخارجية مصدرها تصدير المحروقات. فالسيِّد أحمد أويحيى الذي اهتدى ومعه فريق من الخبراء الماليين والاقتصاديين إلى التفكير في انتهاج استراتيجية ترشيد النفقات والاعتماد على سياسة الاستدانة الداخلية، عن طريق إعطاء أوامر للبنك المركزي من قِبَل الدولة بإصدار أوراق نقدية غير مدعومة بما يوازيها من الذهب أو العملة الصعبة، وذلك في حدود 20 مليار دولار سنوياً على مدار5 سنوات بعد أن منع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بقرارات لا رجعة فيها الحكومة من اللجوء للاستدانة الخارجية.

 

هذا الإجراء والذي يعتبره البعض حلاً جراحياً اضطرارياً من أجل استكمال برامج دعم النمو والمحافظة على الاستمرار في إنجاز المشاريع الكبرى، والتي كلّفت خزينة الدولة أكثر من 120 مليار دولار حسب أرقام رسمية، والمحافظة على دعم السِّياسة الاجتماعية والصحية للسلطة الحاكمة بما يضمن مجانية التعليم والصحة والاستمرار في دعم صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، الخبراء الاقتصاديون ومنهم رئيس الحكومة الأسبق والخبير الاقتصادي الدولي السيِّد أحمد بن بيتور حذَّروا من التبعات الكارثية لهذه السِّياسة الاقتصادية غير المضمونة على المدى الطويل، لأنها ستؤدّي إلى انخفاض قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية كالدولار واليورو، بما يؤدّي إلى ارتفاع سعر السلع الأساسية ومختلف الخدمات الرئيسية للمواطن وإلى ندرتها كذلك، فيما حذَّر خبراء اقتصاديون آخرون من وصول البلاد لحال اقتصادية صعبة جداً في السنوات القليلة القادمة  تشبه حال الاقتصاد الفنزويلي سابقاً. فالنفق الاقتصادي المظلم الذي تمر به البلاد حالياً راجع حسب الخبراء والمتابعين للشَّأن الداخلي للبلاد إلى انتهاج الحكومات المتعاقبة لسياسات اقتصادية خاطئة، وبالأخصّ منذ سنة 1999 وعدم استثمار واستغلال أكثر من 1000 مليار دولار دخلت خزينة الدولة على مدار ال 17 سنة الماضية في إنشاء بنية اقتصادية وصناعية مُنتجة للثروة، وكذلك لمناصب عمل ثابتة للشباب الجامعي والعاطلين عن العمل، وكذلك إلى غياب النزاهة والحوكمة الاقتصادية الرشيدة والشفافية في صرف هذه الأموال الضخمة، وعدم قيام الجهات الرقابية للدولة بعملية جرد سنوي لممتلكات بعض المسؤولين الذين تحوّلوا بفضل سياسة الولاء والرِّيع المالي إلى أثرياء جدد يمتلكون المليارات من الدولارات، وتكوّنت طبقة من رجال المال والأعمال الفاسدين والذين استولوا على قطاعات اقتصادية مهمة وحسَّاسة، فالجزائر التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة، عليها كما يقول المختصون عليها أن تفعل المنظومة القانونية الردعية وتقوم بسنِّ جملة من الإجراءات والمراسيم الخاصة بمكافحة الفساد وعمليات تهريب العملة الصعبة إلى الخارج، وتخفض نفقات إقامات الدولة المنتشرة عبر التراب الوطني كما طالب بذلك بعض نواب المُعارضة، وكذلك اتباع إجراءات صارمة لمُحاربة ظاهرة التَّهرب الجبائي والضريبي، وهي العملية التي  يمكن أن تموّل الخزينة العمومية بأموال طائلة تصل حسب بعض الأرقام المستقلة إلى 100 مليار دولار سنوياً، فيما هناك من يقول بأن الرقم في حدود 10 مليارات دولار فقط، وحتى إن تضاربت أرقام الخبراء الاقتصاديين واختلفت نتيجة عدَّة ظروف ومعطيات موضوعية، وغياب معلومات وأرقام رسمية دقيقة عن عدد المُتهرّبين جبائياً وحجم ثرواتهم الحقيقية، ولكن تبقى كل هذه الحلول المقترحة غير فعَّالة مادام أن السِّياسة الاقتصادية للحكومة تعتمد على حلول ترقيعية سهلة ولا تؤدّي بالتالي إلى حدوث صدامات ومواجهات بين عصب الحكم وركائزه، فالتحقيقات القضائية والصحفية كشفت عن تورّط الكثير منهم في عمليات غسيل أموال وتهرّب ضريبي. فهذه الخطوات الاقتصادية المُتبعة من طرف الحكومة الراهنة ستزيد الوضع تأزّماً، وهذا ما سيفتح الباب على مصراعيه أمام كل الاحتمالات بما فيها حدوث حال إفلاس اقتصادي شامل في البلاد.