مسار عبد المحسن راضي

كاتب صحافي عراقي

السيناتوران ترنت فرانكس وتشاك تشومر وراء دعوة مسعود برزاني للحوار مع بغداد؟

شهد موقف واشنطن من استفتاء انفصال شمال العراق والذي تصفه الأدبيات السياسية الكردية بـ"الاستقلال"، تغييراً كبيراً-360 درجة، فبينما توّج وزير الخارجية الأميركي عدّة خطابات سابقة للإدارة الأميركية بأنها ترفض الاستفتاء، عادت المتحدثة باسم البيت الأبيض لتطلب من بغداد وأربيل (بعد الاستفتاء) التركيز على مكافحة داعش، ووقف النفوذ الإيراني ورفض أن تلجأ بغداد أو دول الجوار (أنقرة، طهران) إلى اتخاذ إجراءات عسكرية – أحادية الجانب!

شهد موقف واشنطن من استفتاء انفصال شمال العراق تغييراً كبيراً-360 درجة

الطريف أنّ إحدى البيانات الرسمية الأميركية (وزارة الخارجية) وردت فيه عبارة نشعر بـ (خيبة أمل)، والتي هي إن تمعّنا فيها قليلاً فإنها المرادف العصري لمفردتيْ (نستنكر، نأسف) اللتان تردان بكثرة في المواقف السياسية، ولا محل لهما من إعراب قوّة حليف يود فتح انسداد أزمة يعانيها حليفه الآخر. ما علينا إِلَّا أن نتذكّر موقف واشنطن في عهد الرئيس السابق- لندون جونسون، عندما قام الكيان الصهيوني بالعدوان على مصر سنة 1967، حيث دبّجت الإدارة الأميركية بياناً تستنكر فيه العدوان الإسرائيلي، لتعود وتستبدل المفردة بكلمة نأسف!! ثمّ ليضحك الرئيس جونسون ومساعدوه على هذه الفذلكة اللفظية.

المقدمة السابقة ضرورية من أجل إنارة العراقيين والعرب بما وراء دعوة مسعود برزاني للحوار مع بغداد، وإبداء التروّي والحكمة.الهدف الحقيقي هو كسب الوقت من أجل أن يقوم اللوبي الصهيوني، بتمرير مشروع دعم "الدولة الكردية" في الكونغرس التي قيّم المراقبون بأنها ستكون إسرائيل ثانية ، بمساعدة النائب عن أريزونا من الحزب الجمهوري- ترينت فرانكس!؟


من هو ترينت فرانكس؟

بحسب الـ Washington post و Phoenix new times ) اللتين نشرتا عنه في 28 شباط 2013 و 12 حزيران 2013 فإنه يعتبر سيناتوراً يمينياً غريب الأطوار، بل أن مشروعه الوحيد هو مكافحة حق الإجهاض، باختصار لم يُعرف عنه طيلة سنواته في الكونغرس، خوضه في محيط السياسة الخارجية الأميركية ،حيث تذكر الـ Phoenix مثلاً بأنّ جميع مشاريعه التي قُدِّمت حول الإجهاض فشلت- عددُها فاق الأربعين مرّة !!

هذا السيناتور الجمهوري الذي يقضي عقله معظم الوقت في صالات الولادة، فجأةً ومن دون سابق إنذار، يقوم بتولّي مسألة حساسة ومعقّدة، تخصّ جغرافية الشرق الأوسط وفِي بلدٍ يعتبرُ حقل الألغام للاستراتيجية الأميركية؟؟؟
طبعاً من المؤكّد أن هنالك أيادٍ خفية تُحرّكُ السيناتور الجمهوري، رأسُ الجليد البارز فيها والتقليدي إيباك الذي بات من باب الزيادة اللفظية، توضيحُ دوره في خدمة السياسات الإسرائيلية – بالنسبة لما هو معروف فإن إسرائيل هي الداعمُ الوحيد لمشروع الانفصال الكردي. لكن هنالك أيضاً- ما التقطتهُ من مواقف الإعلاميين العرب وأكاديميّه البارزين (تغريداتهم على تويتر وردودي عليها- مُتاحٌ الاطلاع عليها من قبَل الجميع) ، فإن اللوبيات العربية خاصّةً لوبي المملكة العربية السعودية في أميركا المعروف اختصاراً بـ سابراك، يبدو بأنّه يستأجر شبكة من الـ (Cyber Bullies- متنمرون الكترونيون)، يسبحون في بحر Twitter مرافقين لقارب الانفصال الكردي. أمّا الإمارات العربية المتحدة، فيبدو بأنّ دورها الأميركي، غاطسٌ قليلاً تحت مستوى سطح البحر، فهي تمتلكُ الكثير من العلاقات المميّزة عبر مُنحِها السخية للكثير من Thank-tanks الأميركية، والتي لا يحتاج إيجاد تفاصيلها سوى الغوص في الشبكة العنكبوتية. كذلك فأن هنالك بعضاً من الأكاديميين الإماراتيين والكويتيين، باتوا يروّجون لهذا الانفصال الكردي، أبرزهم الدكتور عبد الله النفيسي الذي لا يحتاج تعريفاً، هذا إذا أردنا أن نتناسى الجنرال السعودي الشهير- أنور عشقي.
يبدو أنّ الانفصال الكردي، بات حصان طروادة لتمرير خطط تفتيت دول المنطقة. كذلك لا بدّ من أن نذكّر هنا بالسياسات الترويجية الكردية للانفصال، حيث أصبحت تمتلك نسخةً مُعدّلة من السياسات الإسرائيلية الإعلامية الحالية، والتي يجلس على هرمها الأنترنيتي - أفيخاي درعي، الناطق باسم جيش الكيان، وذلك باختيار شخصية تشبه ملامحها هذا الناطق، لرفع معنويات العراقيين الأكراد، وإشعال الحماسة اللازمة لكسب الوقت، وتخفيف أثر الضغوطات الرافضة للانفصال. فرقة الـ Trolls (شبيهة بـ Cyber Bullies) التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، تتجوّل في مواقع التواصل الاجتماعي لتوزيع الشتائم بحق العراق، واقتناص الآراء الجادّة العربية بسهم السخرية، لمنع تأسيس جبهة عربية رافضة وزرع اليأس.


النائب الديموقراطي تشاك تشومر ينضمّ إلى المزاد الانفصالي الكردي

المثير أكثر في قضية دعم الانفصال الكردي، انضمام النائب الديمقراطي- تشاك تشومر، والذي يرأس حالياً كراسي الأقلّية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي إلى هذا المشروع، فما هو السرّ الذي جعل واحداً من أشدّ المناصرين للرئيس السابق- باراك أوباما، يسلك طريقاً محفوفاً بخسارة جغرافية العراق بالكامل، لصالح فكرة خيالية "دويلة كردية" لا تتحمّلها جغرافية المنطقة المزدحمة بأمم وبلدان تاريخية!؟

طبعاً كي يفهم القارئ ما اعتمدنا عليه من تقييم لقرب تشومر من أوباما، سيكون واضحاً أكثر إن بيّنا له بأنّ هذا النائب وفي السادس من آب/ أغسطس سنة 2015، حاول أن يكذب على زملائه في الكونغرس ووسائل الإعلام، بأنّ الاتفاق النووي بين طهران والستة الكبار(5+1)، سيعطي الحق لأميركا بالقيام بتفتيش المنشآت العسكرية الإيرانية، ليفضحه واحد بعدها من خبراء سباق التسلح إن جاز لنا التعبير، ما دفع سيناتوراً جمهورياً على إثر هذه الفضيحة، بأنّ ينصح الجمهور الأميركي، بالاحتفاظ بموقف تشومر هذا في ذاكرته، قبل أن يعطيه صوته مرّة أخرى في الانتخابات القادمة.
هذه الفضيحة كما يبدو، سبّبت ضرب أسهمه السياسية في بورصة إسرائيل ولوبيّاتها التي تلعبُ بأوردة القرارات الأميركية في الشرق الأوسط. يجب أن يفهم القارئ بأن قطار اللوبيات الإسرائيلية إذا ما أنزل سيناتوراً، فلن يُكتب له العمر المديد في حياته السياسية. السيناتور تشومر المعروف بولائه الحاد لإسرائيل، لديه خبرة مميّزة بتقديم اقتراحات انفصالية (قام برفْع مُذكّرتين من التوصيات بخصوص انفصال جنوب السودان). المفارقة الأكبر أن النائب تشومر إذا ما لبِس واحدٌ منا نظّارتيْ وعيه، لوجد من خلال تمحيص مواقفه أن روسيا كمثال- لا على سبيل الحصر، لا تحتاجُ أن تتدخّل في الانتخابات الأميركية، حيث السوقُ السياسي الأميركي مليء بأمثال السيناتور تشومر، المستعدون لبيع صكوك السياسة الأميركية الخارجية من أجل مصالحهم الشخصية. النائب تشومر ورغم عدائه لروسيا الذي وصل إلى حد وصف الرئيس الروسي الحالي- فلاديمير بوتين بـ"متنمّر باحة المدرسة"، خاصّة بعد الاتهامات التي وجّهت لها- قضية التأثير على نتائج الانتخابات لصالح الرئيس الأميركي الحالي- دونالد ترامب، عاد بعد أن فرضت روسيا ثقلها في جغرافية الشرق الأوسط – القسم العربي منه والغني بالطاقة والمعابر الاستراتيجية تحديداً، عاد ليقوم بتعديل درجة العقوبات الاقتصادية على روسيا.. طالب بتخفيفها- طبعاً نحن نغمز من قناة تبدل موازين القوى في سوريا.
المسألة الأهم بأن ما يفعله النائب تشاك تشومر، تقليد قديم في حياة السياسيين الأميركيين، والذي مفاده استغلال البعد الديني المشترك بين المسيحية واليهودية، لكن عجلته السياسية قد انطلقت منذ الرئيس الأميركي السابق- هاري ترومان في أربعينات القرن الماضي. ما يحصل يصفق الباب بوجه العقلاء من السياسيين العراقيين والمهتمين بالشأن السياسي من كتّاب وصحفيين، يرون بأن هنالك مجالاً رحباً لعلاقة أكثر إيجابية مع الإدارة الأميركية الحالية، ما قد يدفع بالفئات التي سبق ذكرها إلى أن تُعرّف أميركا بأنها شيطان الشرق الأوسط!! وانتهاج مُقتربات أخرى حول مصالح العراق الحيوية التي باتت تقترب من طهران وروسيا أكثر (حذّرتُ من ذلك في مقالة سابقة لكاتب هذهِ السطور- النفط في القرن الحادي والعشرين.. إسرائيل بدائية)، مبتعدة عن الرؤية الأميركية وفقدان الثقة بدور إخوتنا العرب.. خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات.
أرغب في نهاية هذه السطور أن أشير أيضاً إلى أن النائب الجمهوري- ترنت فرانكس، توّج خلال الأيام القليلة الماضية، أميناً لمنظمة تُعنى بالديانات إذ يبدو بأن هنالك من يحاول أن ينفخ في حجمه المعنوي، لتصل قامته إلى ارتفاع مقبول لرؤية تعقيدات القضية الكردية. لايسعني بعدها إلّا أن أكرّر ندائي لـ خادم الحرمين الشريفين ودول الخليج العربي: نحن العراقيون العرب عزوتكم لا أعدائكم.