زهرة مروّة

شاعرة وصحافية من لبنان

الترجمة ... ما لها وما عليها

الترجمة فن قائم بذاته يحتاج إلى مهارة وخبرة. تعرفوا في هذا التحقيق الذي أعده الميادين نت عن الترجمة إلى تجربة إثنين من المترجمين، اللبناني صالح الأشمر، والفرنسي أنطوان جوكي.

الصحافي والمترجم صالح الأشمر
الصحافي والمترجم صالح الأشمر

الترجمة هي نقل نص من لغة الى لغة أخرى. وهي فن قائم بذاته، يحتاج إلى مهارة وخبرة، وإلى معرفة المترجم للغتين اللتين ينقل منهما وإليهما، معرفة جيدة. وأول ما يجب أن يتوفر عند المترجم، هو إدراك المناخ الثقافي للغة الأصل، وتمييزه بين أساليب الكتابة وإيجاد المعادلات المناسبة لها، في اللغة التي يترجم إليها، سواء أكان النص روائياً أو نصاً ثقافياً أو فلسفياً في مجال النثر، أو نصاً شعرياً يحتاج إلى مزيد من المعرفة، نظراً إلى ما تختزنه العبارة الشعرية من دلالات دقيقة وصيغ بلاغية من استعارة وتشبيه وتورية من الصعب عادةً أن يجد المترجم لها معادلات توازيها تماماً ما بين لغة الأصل ولغة الترجمة. حول هذين النوعين من الترجمة، نتوقف عند تجربتين هما صالح الأشمر وأنطوان جوكي.

الصحافي والمترجم صالح الأشمر يعتقد أن لكل نص أو كتاب مترجم خاصية في لغته الأصليّة، فهناك مثلاً رواية سريعة الايقاع، قصيرة الجُمل، متوترة، وهنالك رواية تقليدية تعتمد السرد الهادئ، وعلى المترجم أن يراعي هذه الخاصية عند نقلها إلى العربية.

ومثال على ذلك، رواية "حجر الصبر" للأفغاني عتيق رحيمي التي حازت جائزة غونكور الفرنسية عام 2008، والمكتوبة بالفرنسية فإنها مبنية بناء السيناريو السينمائي الذي يعتمد التقطيع المتسارع للمشاهد، والحركة والكلمة، وجملها قصيرة، وتعابيرها مركّزة، "وقد حاولتُ أن أنقلها إلى العربية بهذه الصورة، ويبدو أنني نجحتُ لما لاقته الرواية المترجمة من النجاح في السوق ولدى القراء حتى أعيدت طباعتها مرتين. وقد ترجمتُ للكاتب نفسه رواية أخرى هي "ملعون دستيوفسكي"، الذي اعتمد فيها الأسلوب التقليدي في الرواية الكلاسيكية. فكانت الترجمة موازية لهذا الأسلوب"، يقول الأشمر للميادين نت.

وقد ترجم الأشمر أيضاً، رواية "العاشق" لمارغريت دوراس من الفرنسية إلى العربية، بلغة سلسة وسهلة، محافظاً على الجو التي وُجدت فيها الرواية في الفرنسية، وصدرت ترجمتها عن دار الجمل، ويقول الأشمر إنها "مثال على نوع من الرواية التي تتداخل فيها الأوقات والأحداث والمشاهد، بأسلوب تدفّقي، وبرأيي  أسلوب الترجمة هنا يجب أن يتبع روح الرواية ونبضها".

أما في ترجمة النصوص الفكرية والاجتماعية والسياسية، فشير الأشمر إلى أن طريقة الترجمة هنا تختلف عن طريقة ترجمة الروايات. لأن المترجِم هنا ينشد السلاسة والوضوح في النقل، ويعطي لكل تعبير أو مصطلح مقابله باللغة العربية، كما ينبغي عليه أن يعود إلى الاستشهادات الأصلية باللغة العربية إذا كان المؤلف الأجنبي قد ترجمها إلى لغته، مثال على ذلك  كتاب " الجهل المقدس" و "الاسلام والعلمانية" و"الجهاد والموت"، للباحث الفرنسي المختص بالدراسات الاسلامية أوليفييه روا، حيث كان لا بد للمترجم من العودة إلى النصوص الأصلية باللغة العربية التي اقتبسها الكاتب.

ننتقل إلى ترجمة الشعر، مع المترجم والناقد أنطوان جوكي- الذي ترجم أعمالاً لشعراء كبار مثل عباس بيضون ووديع سعادة من العربية إلى الفرنسية - وهو يعتبر أن الايقاع والتشابيه والانحيازات في الشعر تجعل ترجمته أكثر تعقيداً. والصعوبة الثانية التي يواجهها مترجم الشعر برأيه، هي التقاط طبقات المعنى "أو ما يسمى بالحقل الدلالي".

ترجمة الشعر هي الأصعب في المطلق، لكن هذا لا يمنع أن هناك شعراء لغتهم بيسطة وتوصّل المعنى بشكل سليم، كما هناك روائيين لغتهم صعبة، مثل توماس كينشون وكريستوف كلارو، وأراغون وبروتون في أسلوبهما الروائي والنقدي، من الصعب تفكيكها، على حد قول جوكي للميادين نت.

 


المترجم الفرنسي أنطوان جوكي
المترجم الفرنسي أنطوان جوكي

أما في مجال ترجمة نصوص عربية إلى اللغة الأجنبية، وهي باتت ناشطة نسبياً في الآونة الأخيرة، فيقول  جوكي إن هذا النشاط يعود إلى بروز اهتمام في أوروبا وأميركا بالكتب العربية، نظراً للظروف السياسية والأمنيّة التي يمر بها العالم العربي.

ويذكر في هذا السياق أن بعض الشعراء العرب يبذلون جهوداً معينة حتى تُترجم أعمالهم إلى لغة أجنبية. ويرى من تجربته الشخصية أنه يفضل أن يختار بنفسه النصوص المناسبة للترجمة. وفي هذه الحالة يشعر المترجم براحة ومتعة، وتأتي الترجمة بجودة عالية.

أما الأشمر فيقول إنه لا يعتبر نفسه مترجماً محترفاً، ويحبّ أن يبقى هاوياً. وهو بدوره يفضّل أن يترجم ما يحلو له وما يعجبه من عروض الترجمة، لأنه إن لم يكن مرتاحاً للنص الذي سيترجمه، لن تأتي ترجمته على ما يشتهي من الجودة والاتقان"، إذ يوضح أن "أجمل ما أتوقعه عند صدور ترجمتي لكتاب من الفرنسية إلى العربية، ما ألقاه من تنويه من النقاد، أو الكتّاب، وأكثر من ذلك، أن يقول لي قارئ إنه قرأ الكتاب المترجم من "الجلدة الى الجلدة"، ما يعني أنني نجحتُ في تقديم مادة صالحة للقراءة تحمل القارئ على متابعتها حتى النهاية".

يبقى أن نشير إلى أن ناشر الشعر أو الرواية  ليست وظيفته الطباعة فقط، بل عليه التدقيق في النص ومراجعته مع الكاتب، أي مراجعة النص الأصلي ومراجعة النص المترجم والمقاربة بينهما. وللأسف هذا لا يحصل في العالم العربي، لذلك كثيراً ما نعثر على أخطاء في الترجمة، أو على أخطاء لغوية، قد أهملها الناشر. هذا الأمر يختلف كلياً عند دور النشر الأجنبية التي لا تنشر كتاباً إلا بعد أن يراجعه وينقحه موظف مختص، على حد قول جوكي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]