محمود طراد

باحث في جامعة الأزهر

الاسلاموفوبيا

انتشرت تصريحات أخيرة لمستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الإسلام، لم يكتفِ فيها بكشف عقيدته تجاه التعايش مع الإسلام بل أعلن فيها الممارسات التي ينبغي القيام بها مع الإسلام والمسلمين، فها هو يصف الإسلام بالسرطان الذي يسري في جسد 1,7 مليار مسلم ويجب استئصاله. ثم هو يدعو المُستمعين إلى عدم التخوّف من هذه الفكرة!

الحقيقة أن مثل هذا التصريح ليس بجديد لكنه يتضمّن أمرين مهمّين جداً ألا وهما:

  • أن الإسلام عدو دائم ومستمر للإدارة الأميركية إذ إن الديمقراطية الغربية تسعى إلى الهيمنة الفكرية والثقافية على العالم بينما الثقافة التي تنافسهم في ذلك هي الثقافة الإسلامية وهي العقبة أمام هدفهم هذا.
  • أن التصريح يتضمّن ضرورة استئصال الإسلام وليس المسلمين، أي أن المقصود هنا تغيير ثقافته والهيمنة عليها ومسخ أحكامه التي تتعارض مع الثقافة الغربية الأميركية! فعبّر المستشار باستئصال الإسلام وليس استئصال المسلمين.

وهذه صورة من صوَر الفاشية التي تدّعي الإدارات الغربية محاربتها ليل نهار! إنها الفاشية الفكرية، إنهم يحاربون الإسلام باسم الفاشية الإسلامية! مع أن الإسلام هو الدين الذي يدعو إلى التعايش مع الآخر، ولا أدلّ على ذلك من أن مجتمع المدينة المنوّرة كان مجتمعاً مُتعدّد الثقافات، ودستور المدينة الذي وضعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حكى أول معايير لدولة يتعايش فيها مسلم وغير مسلم، يشتركون في الحقوق والواجبات. والنبي صلّى الله عليه وسلّم هو الذي قال (من آذى ذمّياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) وقد توّعد بالنار مَن ظلم معاهداً أو كلّفه فوق طاقته.

أما أميركا فقد أعلنت منذ انتهاء الحرب الباردة أن العدو القادم هو الإسلام،  فبعدما انتهت الحرب الباردة (1945 – 1992م) بدأت الإدارة الغربية في البحث عن صناعة عدو آخر، بعد انهيار الجبهة السوفياتية، وانقسمت وجهات النظر إلى ثلاث وجهات:

الأولى: ترى أن الصراع القادم سيكون صراعاً اقتصادياً لذا يجب على الولايات المتحدة التأهّب ضد الدول الاقتصادية الكبرى كاليابان والصين والاتحاد الأوروبي.

الثانية: ترى أن طبيعة الصراع ستكون حضارية، ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية ستسعى إلى نشر منظومتها الفكرية والقيمية التي ستصطدم بالحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة العربية الإسلامية.

الثالثة: ترى أهمية استمرار العمل العسكري في مصلحة التوازنات الدولية ، وعلى ذلك فإن كل الدول الخارجة عن المظلّة الأمنية الأميركية هي التي تمثّل تهديداً عليها. 

وهذه الاتّجاهات الثلاثة ترتبط بمعنى فكرة القوة الناعمة التي أوصى بها الكاتب الأميركي  (جوزيف ناي) مع بداية تسعينات القرن الماضي، ويعرّفها بأنها: (قدرة أمّة معيّنة على التأثير في أمّة أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استناداً إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قِيَمها ومؤسساتها بدل الاعتماد على التهديد).

تقرير مؤسّسة راند الأميركية لعام 2007م يوضح لنا عملية الاستئصال الإسلامي الذي يعنيه مستشار ترامب فيقول: (إن الولايات المتحدة الأميركية تواجه طائفة من التحدّيات في بناء شبكات ديمقراطية في العالم الإسلامي، ويشبه كثير من هذه التحديات تلك التي واجهها الساسة في بداية الحرب الباردة) ، فهذا التقرير يوضح لنا أن الاستئصال يشبه بالفعل عملية الاستئصال التي تمّت مع الفكر الشيوعي أثناء الحرب الباردة. أي أنه إحلال للشيوعية وسيطرة للديمقراطية الليبرالية.

أما آليات ووسائل هذا الاستئصال فهي بنشر الحداثة والعلمانية بدلاً من الثقافة الإسلامية ، ويقول تقرير الإسلام المدني الديمقراطي: (إن النزعة الحداثية لا التقليدية هي التي تتّسق مع الغرب، وهذا يشمل بالضرورة تجاوز الاعتقاد الديني الأصلي، أو تعديله، أو تجاهل بعض عناصره على نحو انتقائيّ).

أما تأثيرات مثل هذا الخطاب على المستوى الشعبي فسلبياتها أكثر من أن تُحصى، إذ يكون مثل هذا التصريح مبرّراً للانتهاكات التي تصدر من أفراد أميركيين ضد الأماكن الدينية أو المسلمين في أميركا ولنا أن نتذكّر:

  • منذ شهور قتل أميركي فتاة مسلمة بعد خروجها من مسجد في فرجينيا ، وقالت المتحدّثة باسم الشرطة إن القصّة بدأت عندما بدأ بسبّها هي وزميلاتها بألفاظ أثناء الذهاب إلى الصلاة.
  • في مايو 2017 تعرّضت امرأتان لهجوم مصحوب بشتائم عنصرية على متن قطار في محطة هوليوود ترانزيت في مدينة بورتلاند ، وأسفر الهجوم عن مقتل رجلين أميركيين حاولا الدفاع عن المسلمتين حيث طعنهما المهاجم حتى الموت.
  • في عام 2017م أيضاً عُثر على جثة القاضية شيلا عبد السلام أول قاضية مسلمة في الولايات المتحدة الأميركية وأول قاضية سوداء عُيّنت بمنصبها عام 1991م .
  • في أغسطس 2016م قتل أميركي إمام مسجد في نيويورك ومساعده وكلاهما بنغاليان.
  • تعرّض مسجد لحريق في مدينة فيكتوريا في ولاية تكساس، وذلك بعد قرار ترامب منع دخول بعض الدول الإسلامية إلى أميركا.
  • في مارس 2017م ألقت الشرطة الأميركية القبض على مُشتبه فيه بعد الاعتداء على مركز إسلامي في أميركا.

إنني أجزم بأن هذه الممارسات ضدّ مخالفيهم جينات فكرية متوارثة، لقد تعلّم هتلر أفكار الإبادة والإجهاض القسري من مارغريت سانجر مؤسّسة الحركة النسوية الاشتراكية الأميركية، والتي أنشأت عيادة خاصة لتعزيز الإجهاض الجماعي للسود لتقليل عددهم، بهدف القضاء على السود تماماً في أميركا. وهذه المنظمة لا تزال موجودة حتى اليوم وتُسمّى تنظيم الأسرة. وهكذا فإن الاشتراكيين الألمان اقتبسوا فكرة الإبادة الجماعية لليهود من فكرة الاشتراكيين الأميركيين حول إبادة السود.

أما الهنود الحمر: فقد رفع الأميركان في مواجهتهم شعاراً (التدمير أسهل من التنصير). وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حدثت الأزمة بين أميركا و كوريا الشمالية بسبب تخوّف الأميركيين من انتشار النفوذ السوفياتي في جنوب شرق آسيا، فتدخّلوا بسبب ذلك في الأراضي الكورية، وعزل الأميركيون الحكومة الشعبية، وأغرقوا البلاد في حروب طاحنة أشاعت ناراً ودماراً.

أما العراق فإن ما ألقي عليها فيُقَدّر بأربعين طناً من اليورانيوم المنضّب، وألقي من القنابل الحارِقة ما بين 60 إلى 80 ألف قنبلة، قتل بسببها ما لا يقل عن 52 ألف شخص حسبما أعلنت السلطات الأميركية!.

هذه لقطات سريعة من سيناريوهات الفاشية الأميركية، لا يستقيم معها التبجّح بمثل تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي، والرسالة الأخيرة التي أوجّهها للمسلمين، أن هذا التعرّض للإسلام لم يأتِ إلا بعدما تم التفريط من جانبنا في ديننا، فلم تعد به العزّة، بل كثير منا إلا من رحم الله في جانب والإسلام في جانب، ألا ليت شعري متى يتمسّك المسلم بدينه، ويعتزّ به ويحافظ عليه ليعلم هؤلاء أننا نستمد عزّتنا وكرامتنا من رسالتنا التي أمرنا الله بها.