إيمان طه

مترجمة قانونية في منظمة الكرامة لحقوق الإنسان

قانون المعاقبة وحق الضحايا

17 سنة هي الفترة التي انتظرها لبنان واللبنانيون ليشهدوا ولادة القانون الرامي إلى معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ليتماهى مع مضمون اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها في العام 2000.

قانون مُعاقبة وحق الضحايا
قانون مُعاقبة وحق الضحايا

في يوم الخميس 26 تشرين الأول/ أوكتوبر 2017، صدر القانون الجديد في الجريدة الرسمية؛ كان مخاضاً عسيراً دام من سنة 2000 إلى 2017، إلا أن المولود لم يكن مكتمل الملامح.

فقد صادق لبنان على اتفاقية مناهضة التعذيب عام 2000، وعلى البروتوكول الاختياري المُلحق بها سنة 2008. ثم أقرّ مجلس النواب اللبناني في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، قانوناً خاصاً لإنشاء هيئة وطنية مستقلّة لحقوق الإنسان يُناط بها، من بين أمور أخرى، مهمة رصد امتثال لبنان للقانون الدولي لحقوق الإنسان ومساندة ضحايا التعذيب في الحصول على الانتصاف القانوني، إضافة إلى لجنة الوقاية من التعذيب. وهي خطوة أساسية نحو الإيفاء بالبروتوكول.

في العام 2012، قدّم النائب غسان مخيبر إلى مجلس النواب اقتراح قانون يرمي إلى معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والذي وضعت لجنة الإدارة والعدل النيابية لمساتها الأخيرة عليه في كانون الأول/ ديسمبر 2014. وفي 17 آب/أغسطس 2017، ناقش المجلس مشروع القانون من دون التصويت عليه لعدم اكتمال النصاب. صادَقَ مجلس النواب خلال جلسته التشريعية في 19 أيلول/سبتمبر 2017، على القانون الجديد بعد مناقشته بالتفصيل أمام الهيئة العامة. وبين جلستي المناقشة تغيّرت آراء وتبدّلت مواقف وخفّت حدّة معارضة بعض النواب على مجمل مشروع القانون. لكن ذلك لم يحل من دون فرض بعض التعديلات عليه.


عقوبات لا تتناسب مع جَسامَة الجُرم، وخضوع لقوانين التقادم...

تناولت مؤسسة الكرامة لحقوق الإنسان في بيان لها أبرز جوانب القصور في القانون الجديد. وحثّت المقرّر الخاص المعني بمسألة التعذيب  في الأمم المتحدة على التدخّل لدى السلطات اللبنانية لمطالبتها بتعديل القانون ليمتثل تماماً مع اتفاقية مناهضة التعذيب. وأشارت إلى أن الفقرة (أ) من المادة الأولى بشأن تعريف التعذيب، لم تشمل الأفعال التي تعتبر تعذيباً بموجب المادة الأولى من الاتفاقية. كما لم تشمل ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المعرّفة في المادة 16 من الاتفاقية أيضاً. واقتصرت على الأعمال المنفّذة "أثناء الاستقصاء، والتحقيق الأولي، والتحقيق القضائي، والمحاكمات، وتنفيذ العقوبات".

أما الفقرة (ب) فنصّت على معاقبة "ﻛﻞ ﻣﻦ ﯾﻘﺪم ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺬﯾﺐ ﺑﺎﻟﺤﺒﺲ ﻣﻦ ﺳﻨﺔ إﻟﻰ ﺛﻼث ﺳﻨﻮات إذا ﻟﻢ ﯾﻔﺾ اﻟﺘﻌﺬﯾﺐ إﻟﻰ اﻟﻤﻮت أو إﻟﻰ ﺧﻠﻞ أو ﻋﻄﻞ ﺟﺴﺪي أو ﻋﻘﻠﻲ داﺋﻢ أو ﻣﺆﻗﺖ". مثل هذه العقوبات تفرض عادة على الجنح، و لا تشكّل أيّ تأثير رادِع بل تساهم في خلق بيئة مناسبة للإفلات من العقاب.

يقرّ لبنان بموجب الاتفاقية بأن الحقوق تستمدّ من الكرامة المتأصّلة للإنسان، لكنه يُخضع أعمال التعذيب المهينة والحاطّة من الكرامة الإنسانية، لقوانين التقادم الزمني. وكأنه لايكفي ضحايا التعذيب ما عانوه من إهانة حتى يحد من حقّهم في طلب الانتصاف القانوني. وفي تعارض واضح مع القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يعتبر التعذيب من أخطر الجرائم ولا يجب إخضاعه للتقادم؛ لا يسمح القانون الجديد للضحية بالشروع في الإجراءات القضائية ضد جلاّده إلا بعد ثلاث إلى عشر سنوات على إتمام محكوميته، مع مراعاة اختلاف جسامة الجُرم. وفي ذلك إغفال تام لتردّد الضحية في تقديم شكوى التعذيب لحين شعوره بالأمان، والذي قد يتأخّر لسنوات.


مقاضاة مُرتكبي التعذيب، اختصاص المحكمة العسكرية من دون سواها

أمّا في ما يتعلّق بتخويل النظر في قضايا التعذيب إلى المحاكم العدلية؛ فقد شُطبت المادة التي كانت مطروحة في مشروع قانون العام 2012 بأكملها، واحتفظت المحكمة العسكرية بصلاحيتها بموجب المادة 27 من القانون العسكري، التي تتناول موضوع مقاضاة رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام والعسكريين أمام المحكمة العسكرية من دون سواها. الأمر الذي يعيق منحى المساءلة السليم في جرائم خطيرة مثل التعذيب، لما قد يشوب مقاضاة الأقران لبعضهم البعض من عيوب وتجاوزات.

إن إدراج مادة خاصة تتعلّق باختصاص محاكمة مرتكبي التعذيب أمام محكمة حيادية ومستقلة، في مثل هذا القانون الخاص الرامي إلى القضاء على تلك الممارسات اللاإنسانية، من شأنه أن يزيل أيّ لبس أو تقاعس أو إفلات من المساءلة، ويكون سداً منيعاً في وجه التجاوزات.

وأيّ حديث عن الاكتفاء القانوني بوجود المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تجيز للنائب العام التمييزي طلب ملاحقة أفراد الضابطة العدلية أمام القضاء العدلي، ليس كافياً. فعناصر الجيش الذين قد يرتكبون جرائم تعذيب غير مشمولين في هذه المادة، كونهم ليسوا جزءاً من الضابطة العدلية بحسب تحديد المادة 38 من أصول المحاكمات الجزائية لأشخاص الضابطة العدلية.

بالأمس قيل إن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. فهل نحتسب هذا القانون إنجازاً لبنانياً، على أمل تعديله والقيام بما يلزم للامتثال لاتفاقيات حريّ بلبنان أن يكون على قدر رسالتها الإنسانية السامية، أم نعتبره إخفاقاً، أم ننتظر إمكانية الطعن فيه أمام المجلس الدستوري في غضون 15 يوماً من نشره في الجريدة الرسمية؟!