صابر عارف

كاتب ومحلل سياسي، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، باحث متخصص في الاستراتيجية والنظام السياسي الفلسطيني.

لماذا استدعت السعودية الرئيس الفلسطيني؟

وربما كان الهدف من الدعوة للضغط عليه للتصالح مع الدحلان المنشقّ عن حركة فتح بعد إخفاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإنجاز المهمة التي سعت إليها مجموعة الرباعية العربية المُشكّلة من مصر والسعودية والأردن والإمارات المتحدة، كي يصبح الدحلان رئيساً بعد أبو مازن، وينفّذ صفقة القرن ويحقّق الصُلح مع العدو الصهيوني.

الدعوة السعودية العاجلة للرئيس الفلسطيني أثارت العديد من التساؤلات حول الهدف الرئيس منها في هذه الأيام بالذات

لم تثر الدعوة السعودية المفاجئة للرئيس الفلسطيني محمود عباس ردود أفعال، كما أثارت في لبنان دعوة الرئيس سعد الحريري إلى الرياض من مخاوف وقلاقل. بل أثارت الدعوة العاجلة للرئيس الفلسطيني العديد من التساؤلات حول الهدف الرئيس منها في هذه الأيام بالذات التي تشهد فيها السعودية تطوّرات وأحداثاً داخلية عاصفة لم يشهدها تاريخها.

في ظروف كهذه وبعدما حصل مع الحريري والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي مُنِع من العودة لبلاده، مع ذلك ولأسباب عديدة لم يسيطر على الشارع الفلسطيني أيّ قلق  من هذا القبيل، وإن ساد قلق من نوع آخر على القضية الفلسطينية، فذهب البعض للقول بأن السعودية تريد أن تضع بصْمَتها على المصالحة الفلسطينية وأن يكون لها دور كما في الماضي وكلنا يتذكّر اتفاق مكّة  الفلسطيني للمصالحة الذي لم يُعمِّر طويلاً. وذهب آخرون للقول بأن السعودية التي تتناغم سياساتها والسياسة الأميركية تريد الضغط على الرئيس الفلسطيني على خلفية الاتصال المطوَّل الذي دار بين وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس (الأميركي) ترامب قبل يومين ولمناقشة وضع ترتيبات تم التوافق عليها في زيارة جارد كوشنر صهر ومستشار ترامب للرياض قبل أسبوعين، لإقناع السلطة بالتقدّم في المفاوضات مع "إسرائيل" من دون شروط مسبقة. أولتعبيد الطريق أمام صفقة القرن التي وعد بها الرئيس الأميركي لحل القضية الفلسطينية. وحقيقة الأمر وكما تفيد بعض التسريبات القليلة عن الصفقة فإنها ستحمل النظام العربي وخاصة السعودية والدول الخليجية علاوة على مصر والأردن للحضن الإسرائيلي، كما فعل وعد بلفور وقدَّم فلسطين هدية للصهاينة. فإن صفقة القرن ستقدّم النظام العربي، وربما العرب والمسلمين للتحالف مع إسرائيل لاستبدال عدائها الحقيقي والواقعي بعداء إيراني، من دون أن تقدّم إي حل للمسألة الفلسطينية أساس وجذْر الصراع في المنطقة، بل التعامل معها فقط كقضية أناس لهم مشاعر إنسانية كما قالت رئيسة الوزراء البريطانية. ويقتضي هذا من وجهة نظر الصفقة معالجة حقوقهم المدنية والدينية من دون أية حقوق سياسية وسيادية وطنية، بل وفوق ذلك تشتيتهم وتقسيمهم بين دول وسيادات ثلاث (الضفة الفلسطينية تتبع سكانياً ومدنياً للأردن عبر إدارة يمكن تسميتها بدولة أو امبرطورية، وقطاع غزّة للإدارة المصرية، وسكان ال 48 كما هم يتبعون لإسرائيل التي لها الحق المُطلق بالسيطرة الأمنية والعسكرية على كامل الوطن الفلسطيني).

 وربما كان الهدف من الدعوة للضغط عليه للتصالح مع الدحلان المنشقّ عن حركة فتح بعد إخفاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإنجاز المهمة التي سعت إليها مجموعة الرباعية العربية المُشكّلة من مصر والسعودية والأردن والإمارات المتحدة، كي يصبح الدحلان رئيساً بعد أبو مازن، وينفّذ صفقة القرن ويحقّق الصُلح مع العدو الصهيوني.

قد يكون السبب الرئيسي للدعوة يتساوق والمتغيّرات العاصفة الجديدة التي يقودها وليّ العهد محمّد بن سلمان التي تعمل لانتزاع موقف فلسطيني داعم ومؤيّد لها في المواجهة الوهمية حتى الآن مع إيران، نظراً لأهمية وخصوصية الموقف الفلسطيني دائماً وفي صراع خاص كهذا الذي يزداد اشتعالاً بين السعودية وإيران. وما يُفسِّر الإسراع بدعوة أبو مازن بعد ما فعلت في لبنان هو سعي السعودية للإمساك بالورقة الفلسطينية إلى جانب الورقة اللبنانية، في محاولة إفقاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أهم ورقة من أوراق المقاومة والممانعة التي تعتبرها إيران ركناً أساسياً وحاسماً في سياستها الخارجية. وكان لا بدّ للسعودية من التحرّك الفوري والعاجل لقطع الطريق على نتائج الزيارة التي قام بها وفد حماس مؤخراً لإيران، وعلى زيارته لحزب الله الذي يثير القلق والفزع السعودي.

سارعت السعودية للدعوة لأنها تدرك وربما أكثر من غيرها أهمية الموقف الفلسطيني ومع من سيكون، فلطالما تصارعت وتنافست الأنظمة العربية على كسْب الموقف الفلسطيني للدرجة التي شكّلت بعض الأنظمة وليس منها السعودية فصائل مسلّحة، وبلغت ذروة الصراع أيام الاجتياح العراقي للكويت، وهذا ما عاشته السعودية وعرفته جيداً.

إن المعنى الدقيق لتصريح الرئيس عباس أنه سيقف مع السعودية ضد إيران، وإن حصل ذلك وأخد الموقف مداه فإن الساحة الفلسطينية ستتعرّض لمخاطر جمّة في وحدتها وتماسكها، وستخسر القضية الفلسطينية أهم وأبرز حليف وصديق استراتيجي داعم ومساند لها. وهذا ما لن يسمح الشعب الفلسطيني به أبداً.