أحمد أشقر

باحث في الديانات المقارنة، ومترجم عربي - عبري. كتب العديد من المقالات والكتب. له أربعة كتب منها: مكانة النساء في العقائد اليهمسلامية- من المسؤولية عن الخطيئة الأولى إلى التبرئة؛ وقصة لوط التناخي وديناميكية العداء للآخرين.

كيف تستخدم إسرائيل الأحراج وسيلة أمنية؟

أوكلت "إسرائيل" لشرطتها وحرس حدودها من سنة 1950 إلى سنة 1976 ومن ذلك التاريخ حتى يومنا هذا إلى "الدوريات الخضراء" (دوريات الدمار) مهمة تنفيذ هذا القانون. ونتيجة له قضت "إسرائيل" على مصدر هام من مصادر دخل ما تبقّى من عرب في فلسطين ألا وهو القضاء على المعزة السوداء. كما أن الكثير من الغنّامة (أصحاب الأغنام ورُعاتها) الذين رفضوا الامتثال لهذا القانون تمت مقاضاتهم ومصادرة قطعانهم.

نؤكّد على أن اليهود حوّلوا قضية تجفيف "مناطق الغرق" (تجفيف المستنقعات) إلى شيمة مركزية في سرديّتهم لاستعمار فلسطين التي تبيّن أنها خطأ وكذب

بناء على اقتراح من الدكتور جمال زحالقة، عضو "الكنيست" عن القائمة المشتركة، أقرّت الحكومة "الإسرائيلية" في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بإحدى جرائمها التي اقترفتها بحقّ الغنّامة، المعزة السوداء والأحراج في فلسطين في سنة 1950 عندما سنّت "قانون حماية النباتات من أضرار الأغنام" الذي عُرِف ولا يزال بين أهالينا والأدبيات غير القانونية بـ"قانون المعزة السوداء". بموجب هذا القانون منعت "إسرائيل" رعاية جميع المواشي بحجّة أن المعزة السوداء التي كانت ترعى فيها تُلحق الأضرار بالنباتات والأعشاب المختلفة التي كانت تنبت وتنمو في هذه المراعي بالمناطق الوعرة والجبلية. وفي الإقرار الذي اتّخذته الحكومة على شكل توصية (من دون أن تلغي القانون) أقرّت الحكومة بضرورة إعادة المعزة السوداء إلى ما تبقّى من هذه المراعي، لأن إعادتها من شأنه أن يخفّف من الأعشاب وفسائل الأشجار ويحدّ من الحرائق المدمّرة التي أصابت غابات وأحراج "إسرائيل" كالوباء في السنوات الأخيرة. فمن المعروف أن المعزة السوداء كانت تعتاش على نباتات وفصائل أشجار الغابات والأحراج المختلفة، الأمر الذي كان يحول دون تكاثرها لتصبح، كما حصل، وقوداً لاندلاع الحرائق المدمّرة في الغابات، فالنيران لا يمكنها أن تحرق التراب وتتطوّر متسلّقة الأشجار.

أوكلت "إسرائيل" لشرطتها وحرس حدودها من سنة 1950 إلى سنة 1976 ومن ذلك التاريخ حتى يومنا هذا إلى "الدوريات الخضراء" (دوريات الدمار) مهمة تنفيذ هذا القانون. ونتيجة له قضت "إسرائيل" على مصدر هام من مصادر دخل ما تبقّى من عرب في فلسطين ألا وهو القضاء على المعزة السوداء. كما أن الكثير من الغنّامة (أصحاب الأغنام ورُعاتها) الذين رفضوا الامتثال لهذا القانون تمت مقاضاتهم ومصادرة قطعانهم.

القانون المذكور الذي أدّى في حينه إلى القضاء شبه التام على قطعان المعزة السوداء في فلسطين. عمدت "إسرائيل" إلى تدمير عشرات الحيوانات البرية والبحرية والطيور والنباتات المختلفة. مثلاً تسبّب تجفيف بحيرة الحولة (وليس مستنقع) في خمسينات القرن الماضي في القضاء على 36 نوع حياة من طيور وحيوانات ونباتات، الأمر الذي أدّى إلى خلل بيئي هائل لم يعترف به "علماء" اليهود إلا في تسعينات القرن الماضي عندما أعادوا ضخّ المياه إليه.

لم تكن الحولة "المستنقع" الوحيد الذي جفّفه "طلائعيو" الاستعمار اليهودي في فلسطين. فقد اعتبروا كل "مناطق الغرق" الممتدة من جنوب يافا إلى شمال غزّة "مستنقعات" وفي مرجي ابن عامر والحولة وعملوا على تجفيفها وبناء المستعمرات. وكما ألحقوا دماراً في منطقة الحولة، أحدثوا أيضاً دماراً في هذه المناطق. وبما أن الطبيعة عنيدة وتدافع عن نفسها بوسائل لا نتوقّعها، تُغرق الأمطار كل سنة مئات البيوت في المستعمرات اليهودية التي تم بناؤها في مناطق الغرق الفلسطينية. في هذا السياق نؤكّد على أن اليهود حوّلوا قضية تجفيف "مناطق الغرق" (تجفيف المستنقعات) إلى شيمة مركزية في سرديّتهم لاستعمار فلسطين التي تبيّن أنها خطأ وكذب.

أما النقب الذي كان يعتبر أكبر مزرعة لزراعة الشمّام والشعير فقد قام طلائعيو الاستعمار اليهودي بتدمير زراعته وصبغه بصفة الصحراء. بات يقال على ألسن العامّة والخاصة: "صحراء النقب". و"صحراء النقب" لمن لا يعرفها كانت تصدّر الشمّام إلى لبنان وسوريا. ويذكر التاريخ (أيضاً) عن إسهام شعير النقب بزيادة كمية البيرة البريطانية وتحسّن طعمها. يذكر الباحث "دوتان هليفي" أن أول شحنة من شعير النقب البالغة 163 طنّاً وصلت "ميناء هول" في لندن قبل 120 سنة، في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1897 تحديداً. وبعد خلاف عدّة أيام مع عمّال الميناء تم شحنها إلى معامل إنتاج البيرة في أسكتلندا. وهكذا بدأت مصانع البيرة الأسكتلندية تستورد شعير النقب الغنّي بالسكر والفقير بالبروتينات لصناعة بيرة ألذّ طعماً من التي عرفوها حتى الآن. قام بعملية التصدير تجارٌ يهود من غزّة اشتروا شعير النقب وشحنوه بالجِمال إلى ميناء غزّة ثم إلى "ميناء هول" في لندن. هنا يُطرح السؤال: هل كان يوجد يهود في غزّة؟ نعم. مثل عائلة القيّام التي ينحدر منها الأستاذ الدكتور إبراهيم القيّام الخبير في التصوّف الإسلامي واليهودي والناشط في هذا المجال بين بعض المجموعات المتصوّفة في فلسطين. أما أشهر الفقهاء اليهود الذين عاشوا في غزّة فهو "نتان هعّزاتي/ عبد المعطي الغزاوي" (1643- 1680) الذي يُعتبر الأب الروحي لـ"الحركة الشبتائية" التي أسّسها فعليّاً "شبتاي تسفي" (1626- 1676) الذي ادّعى أنه "المشيح" اليهودي. تُخفي اليهودية الرسمية كلاً من "الغزاوي" و"تسفي" لأنهما عارضا مؤسّس اليهودية الحالية (برأيي على الأقل)، موسى ابن ميمون، في فكرة "المشيح".

كما أشرنا أعلاه مرّت أربعة عقود قبل أن يقرّ "علماء" اليهود أنهم جهّالٌ بطبيعة فلسطين وكذّابون بدوافعهم في قضية تجفيف الحولة وإعادة إحيائها. أما جريمتهم بحقّ الغنّامة والمعزة السوداء فقد استمرت سبعة عقود تقريباً. وبما أن "إسرائيل" تعيش على حدود السيوف التي لا تزال تشرّعها على العرب منذ أكثر من قرن ، فإن الاعتبارات الأمنية تعتبر السبب الرئيس والمركزي في اتخاذ القرارات والتعليمات التي تخصّ مجالات الحياة المختلفة. حيث يبدأ كل شيء بالأمن وينتهي به.