عايدة سميح الصعيدي

كاتبة لبنانية

الآن القدس

لقد ورثنا الحضارة الإسلامية والعربية التي كانت من أهم الأسس في الحضارة الإنسانية عالمياً. وهذا ما يستوجب المحافظة عليه وتنشئة الأجيال العربية على مقاومة كل محاولات التشويه التي تتعرّض لها هذه الحضارة. ومن أولى الأولويات المحافظة على مقدّسات هذه الحضارة والنضال ضد المُعتدين أياً تكن أساليبهم.

  • من أولى الأولويات المحافظة على مقدّسات هذه الحضارة والنضال ضد المُعتدين أياً تكن أساليبهم

الشتات العربي، الذي بدأ فلسطينياً ثم لبنانياً ثم عراقياً وها هي الشقيقات العربيات تكمل الثلاثية بسداسية سودانية وتونسية وليبية ومصرية ويمنية وسورية.

الشتات اليهودي، الوهْم التاريخي، الذي وجد له حقيقة على جغرافية من المذابح المُباحَة والمُباركَة دولياً. ويقابله الشتات العربي الحقيقة المعاصرة التي وجدت لها وهماً في القاموس العصري للفصول الأربعة. شتات يهودي يبتلع القوميات والثقافات واللغات ليصهرها في قومية استعلائية عدوانية لها شرعيتها فوق المواثيق والقوانين الدولية. وشتات عربي يسلخ عباءة القومية ليفترشها بساطاً أزرق عليه خطوات الاستعمار بتوصيات الشمل العربي.

الزمن عجزت لغات العالم عن وصف تصنيفه، من نأيّ بالنفس عن الذّود عن الشقيق إلى نعيّ النفس في نداء الواجب.

فلسطين هنا يا عرب. وهناك الطفل المشرّد والأمّ الثكلى والشباب المُعتقل. هناك مجازر دير ياسين وجنين ومئات الآلاف من الشهداء. فلسطين تائهة في جغرافيا عربية سامية... لكن اليوم الأقمار الصناعية لا ترى في الكرة الأرضية غير جغرافية سوريا ولا مشرّد غير السوري ولا جيش نظامي لا زال وطنياً غير الجيش العربي السوري. لأنه الجيش العربي الذي يدافع حالياً عن كيان الأمّة العربية. حين يقول مواطن سوري إن حاجزاً أقامه ثلاثة أطفال قد اعترضه لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة وكانوا يحملون بنادق تفوقهم حجماً، كيف يفهم الداعمون للمسلّحين المرتزقة هذا الحدث؟

ثم يصفون مذابح الإرهابيين ربيعاً ويصفون السفّاحين بالمعارضين. العالم العربي مُصاب الآن بداء التوحّش الروماني حين كانت تقام مدارج التسلية من أجل مشاهِد  الأسود الجائعة وهي تفترس المؤمنين بالديانة المسيحية باعتبارهم مرتّدين عن عبادة آلهة الرومان. المتناقضات أمست المترادفات. الدعوة الدينية إلى التآخي والمحبّة والتآزُر باتت جحيماً مفتوحاً على عصور من الظلام والتوحّش.

ويحدّثون عن احتمالات حرب عالمية، وكأن ما يحدث ليس حرباً بكل القوانين الدولية. فماذا بعد تفتيت الجيوش العربية؟ كيف تكون الحرب العالمية بعد ما يحدث الآن في الوطن العربي.

جموع بشرية ارتدّت عن إنسانيّتها فنبت لها ما للوحوش من مخالب وغرائز بهيمية حتى أن تأريخ وحشيتهم يصعب تحديده زماناً ومكاناً ؛ هل هم حقاً بشرٌ؟

تلكّأنا في محاسبة ذواتنا صمتاً ونأياً ومنفعةً، إن كانت المنفعة حقيقية وليست لعقاً للدم، حتى وصلنا إلى تلاشي وظائف حواسنا، الحد الأدنى من هذه الوظائف وهي تقبّل صدق ما تنقله هذه الحواس بدلاً من ترويضها على شهادة الزور وتبنّي تزوير الحقائق وتحويل المُتناقضات إلى مُترادفات؛ فالدفاع عن الحق ليس إرهاباً والحق ليس هو الباطل في أيّ وجه من وجوه المواقف الإنسانية.

لقد تمّ الترويج لمُصطلحات الباطل لأجل نشر ثقافة الخمود والتراخي والسلام المسموم بالخنوع والتجرّد من أبسط شروط الكرامة الوطنية والعربية والقومية. والثورة من التأثيرات المستوجبة لها.

كي لا نثير خجل أجيالنا القادمة أو خجل مؤرّخينا أو هؤلاء من يبحث في الحضارة العربية والإسلامية، نفهم التحديات الهائلة التي تقف في طريق إنسانيتنا وكياننا وأن نتزوّد بالوسائل كافة لأجل تكافؤ التصدّي لهذه التحديات وإزالتها.

لقد ورثنا الحضارة الإسلامية والعربية التي كانت من أهم الأسس في الحضارة الإنسانية عالمياً. وهذا ما يستوجب المحافظة عليه وتنشئة الأجيال العربية على مقاومة كل محاولات التشويه التي تتعرّض لها هذه الحضارة. ومن أولى الأولويات المحافظة على مقدّسات هذه الحضارة والنضال ضد المُعتدين أياً تكن أساليبهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً