عقل صلاح

كاتب فلسطيني وباحث مُختص بالحركات الأيديولوجية

ترامب والليكود والكنيست: سلسلة قرارات مترابطة ومتسارعة لتصفية القضية الفلسطينية

إن أية قراءة موضوعية لمُجريات الأحداث، منذ وعد ترامب مروراً بقرار الليكود وليس أخيراً تصويت الكنيست على قانون القدس الموحّدة وعدم التنازل بالمفاوضات المستقبلية عن أجزاء من القدس الشرقية، لا بدّ من أن تقودنا إلى نتيجة مفادها أن من يمتلك القوة يكون قادراً على التأثير في مُجريات التاريخ، وأن من يمتلك الحق من دون القوة لن يلتفت إليه أحد في عالم لا تعنيه كثيراً قضايا الضمير والعدل إن لم تتوافق مع مصالحه.

إن الموقف الرسمي العربي - الإسلامي تجاه قرار ترامب يؤكّد بأن علاقاتهم مع إسرائيل أهم من المقدّسات الإسلامية
إن الموقف الرسمي العربي - الإسلامي تجاه قرار ترامب يؤكّد بأن علاقاتهم مع إسرائيل أهم من المقدّسات الإسلامية

لقد تم اتخاذ ثلاثة قرارات خطيرة في أقل من شهر، الشهر الذي يُعتبَر الأسوأ على القضية الفلسطينية والقدس المحتلة. فقد صادق الكنيست الإسرائيلي في الأول من كانون الثاني /يناير 2018 على مشروع قانون خاص بالقدس المحتلة "قانون القدس الموحّدة" بادرت الأحزاب اليمينية في الكنيست إلى طرحه، وينصّ على أنه لا يمكن نقل القدس الشرقية إلى الفلسطينيين إلا بموافقة ما لا يقلّ عن 80 نائباً، ووافق الكنيست عليه بالقراءتين الثانية والثالثة. والقانون الجديد سيمنع أية إمكانية لتقسيم القدس وتسليم أجزاء منها للأجانب - للفلسطينيين- في حال التوصّل إلى تسوية سياسية في المستقبل. ويذكر أن الكنيست أقرّ مشروع القانون هذا بالقراءة الأولى في26 تموز/يوليو2017 بعد أن أقرّه بالقراءة التمهيدية في 19تموز/ يوليو2017.

ويعني هذا القانون أن الانسحاب من القدس المحتلة سيكون من الآن فصاعداً خاضعاً لقانونين متوازيين: الأول، القانون الذي أقرّ حديثاً. والثاني، ما يُعرف باسم قانون الاستفتاء العام، ويقضي بأنه في حال توصّلت أية حكومة إلى اتفاق يقضي بالانسحاب من مناطق خاضعة لما يُسمَّى بالسيادة الإسرائيلية فإن الاتفاق سيحتاج في الكنيست إلى أغلبية عددية من 80 نائباً من أصل 120 نائباً وفي حال وافق عليه أقل من 80 نائباً، يتم التوجّه إلى استفتاء عام، وهذا القانون خاص في القدس ومُرتفعات الجولان السورية المحتلة.

وكان قد سبقه قرار حزب الليكود الحاكِم في 31كانون الأول/ديسمبر2017 الذي نصّ على" فرض القانون الإسرائيلي على المستوطنات وامتداداتها في الضفة الغربية والقدس المحتلة وضمّها إلى "إسرائيل" ، جاء ذلك بدعم وتشجيع أميركي. وهذا القرار وغيره من القرارات جاء بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 7 كانون الأول/ديسمبر2017 الذي نصّ على "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة".

وفي الثالث من كانون الثاني/يناير2018 صادق الكنيست، بالقراءة التمهيدية على قانون عقوبة الإعدام لمنفّذي العمليات الفدائية التي أدّت إلى مقتل مستوطنين وجنود. وإن الكنيست صادق على قانون فرض عقوبة الإعدام على منفّذي العمليات بالقراءة التمهيدية بتصويت 52 عضواً مع مقابل 49 ضد. وتقدّم بمشروع القانون حزب "إسرائيل بيتنا" بعد اتفاق بين رئيس الحزب أفيغدور ليبرمان ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. وينصّ مشروع القانون على أنه في حال إدانة منفّذ عملية فلسطيني من سكان الضفة بالقتل فإنه يكون بإمكان وزير الحرب أن يأمر وعبر المحكمة العسكرية بفرض عقوبة الإعدام، وألا يكون ذلك مشروطاً بإجماع القضاة وإنما بأغلبية عادية فقط من دون وجود إمكانية لتخفيف قرار الحُكم. ويُذكر أن مشروع هذا القانون قُدِّم سنة 2015 وتم إسقاطه بالتصويت في الكنيست، وقُدِّم مجدّداً في أعقاب عملية الطعن التي وقعت في مستوطنة "حلميش" في تموز/يوليو2017.

وتُعتبر كل هذه القرارات مخالفة لمقرّرات الشرعية الدولية التي تُجيز الحق للشعب المحتل في مقاومة الاحتلال وعدم المسّ بوضعية القدس باعتبارها واقعة تحت الاحتلال، ومن ثم عدم جواز القيام بأية أعمال من شأنها تغيير الوضع القائم فيها.

وأما بخصوص التوقيت فهو مناسب كما كان مناسباً لوعد ترامب، ويقودنا هذا إلى تساؤل مفاده، لماذا الآن؟. فإسرائيل لا تتوقّع حدوث ردود فعل فلسطينية أو عربية لا يمكن السيطرة عليها، وحقيقة هذا ماحصل بخصوص ردود الفعل على وعد ترامب ومن ثم قرار الليكود الحالي. وهو نفس ما نصّ عليه تقييم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وعليه تم اتخاذ هذه القرارات، ولقد عبَّر عن ذلك رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق "عاموس يادلين"، بقوله إن الفلسطينيين والعرب والأتراك "يهدّدون بمسدس فارِغ"، وبرّر ذلك بانشغال الرأي العام العربي في قضايا الصراعات الاقليمية.

إن الموقف الرسمي العربي - الإسلامي تجاه قرار ترامب ومن بعده قرار الليكود بضمّ مستوطنات الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية يؤكّد بأن علاقاتهم مع إسرائيل أهم من المقدّسات الإسلامية والقضية الفلسطينية. فردود الفعل الرسمية على القرارات لم تصل إلى مستوى الشجب والاستنكار، فاجتماع رؤساء الدول العربية والإسلامية في قمّة اسطنبول لم ينتج منه حتى قراراً واحداً على المستوى الرسمي يؤكّد رفض هذه الدول المجتمعة لقرار ترامب، فعلى سبيل المثال لم يتم قطع العلاقات مع إسرائيل وأميركا، أو سحب سفرائهم من أميركا وإسرائيل، أو حتى طرد السفراء الإسرائيليين والأميركيين من بلادهم. إضافة إلى أن بعض الدول العربية متواطئة مع هذه القرارات، وتريد منع أيّ حراك ضد القرار. فقد كشف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمّد اشتية أن دولاً عربية أفشلت عقد قمّة عربية طارئة. فالتضامن العربي مع القضية الفلسطينية كان باهتاً جداً، ويتبدّى ذلك من خلال تصريح لوزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، في 21 كانون الأول/ديسمبر2017، بيّن فيه أن قضية فلسطين قضية جانبية وليس من المفيد إثارة الخلاف مع أميركا بشأنها، وهذا ما دفع إسرائيل لانتهاز الفرصة السياسية والتوقيت الزمني في ظلّ الموقف الفلسطيني والعربي الباهت ما شجّعها على اتخاذ القرار – قرار الليكود - وسوف تعمل إسرائيل على تصفية القضية الفلسطينية بما أن الفرصة متاحة أمامها، حيث لم تتعرّض القضية الفلسطينية والثورة الفلسطينية منذ نصف قرن لما تعرّضت له منذ وعد ترامب وحتى قرار الليكود ومن ثم موافقة الكنيست على قرار القدس الموحّدة.

فإسرائيل متأكّدة تماماً بأنه التوقيت المناسب ولن يكون هناك أيّ تحرّك ولو حتى بالكلمة على المستوى العربي والإسلامي الرسمي، فقد عملت بكل جهدها في الدول العربية على المستوى الرسمي والشعبي خلال الفترة السابقة على شيطنة الفلسطينيين ونقل القضية الفلسطينية من قضية محورية للعرب والمسلمين إلى قضية هامشية.

ماذا تعني هذه القرارات؟ هذه القرارات تعني تجزئة الضفة الغربية وتقسيمها إلى أجزاء - تجزئة المُجزّأ- وهذه الأجزاء تفتح المجال أمام السيادة الإسرائيلية المستقبلية الكاملة على القدس الشرقية والسيطرة على الطرقات والجغرافيا والديمغرافيا، والتشريع الإسرائيلي يجعل استحالة قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات حدود وسيادة ووحدة جغرافية وديمغرافية ، بالإضافة إلى تشريع الاستيطان وبقائه في الضفة الغربية وبالأخصّ على الحدود الأردنية الفلسطينية ، وكل ذلك يُفتّت وحدة الاقليم – اقليم الضفة الغربية - يعني ذلك بقاء السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس ، وهذا كله يؤدّي إلى عدم إخضاع القدس والكتل الاستيطانية للتفاوض المستقبلي مابين المنظمة وإسرائيل التي تسابق الزمن باتخاذ القرارات من أجل فرض سياسة الأمر الواقع على المفاوض الفلسطيني، وهذه القرارات كلها تدعم فكرة بقاء السيطرة والسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وفرض القانون الإسرائيلي على أجزاء كبيرة بالضفة الغربية وعلى القدس المحتلة وتوسيع المشروع الاستيطاني، ما يمنع مستقبلاً التنازل عن هذه المستوطنات الكبيرة، والذي بدوره سيؤدّي إلى إعدام مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإحياء مشروع الحُكم الذاتي على مناطق في الضفة الغربية وقيام دولة في غزّة تتبع لها مناطق الحُكم الذاتي الموجودة في الضفة، والتجمّعات الاستيطانية في الضفة تتبع لدولة الاحتلال.

أن هذه القرارات الثلاثة – قرار ترامب وقرار الليكود وقرار الكنيست - تلغي أركان الدولة المستقلة والمُتمثّلة في وحدة الاقليم ووحدة الجغرافيا والديمغرافيا والسيادة المُطلقة على الاقليم، وشطب القدس كعاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية، وهذه القرارات تجرّد الدولة الفلسطينية المستقبلية من أركانها الأساسية وسيادتها وتصبح حتى لو قامت دولة بلا سلطة سيادية وهشّة.

وعليه، يتطلّب من السلطة البحث عن خيار بديل للمفاوضات، وقلب الطاولة لعودة القضية الفلسطينية إلى الاهتمام الدولي والاقليمي، ولكن السلطة التي لا تؤمن بغير طريق المفاوضات عاجزة في ظلّ القيادة الفلسطينية الحالية عن اتخاذ قرار مصيري واستراتيجي بقلب الطاولة كما فعل الرئيس الراحل ياسر عرفات ، الذي توصّل إلى نتيجة مفادها أنه لاحل للقضية الفلسطينية ولا وجود لدولة في الأفق وما يُعرَض هو أقل من حُكم ذاتي ، فعمل على اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000. وأهم ردّة فعل على هذا القرار الأميركي وقرار الليكود والتخاذل العربي هو قطع التنسيق الأمني وإتمام المصالحة وبناء منظمة التحرير على أسس الشراكة الوطنية، والتمسّك بخيار المقاومة لمواجهة المشاريع الإسرائيلية وإفشالها وإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وعاصمتها مدينة القدس، وإعادة النظر بالمشروع السلمي برمّته – سحب الاعتراف بإسرائيل ومغادرة مظلّة أوسلو- وتفعيل قضية الأسرى على صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة وتدويل قضيتهم من خلال التوجّه إلى المحكمة الدولية في لاهاي بهدف الحصول على فتوى قانونية حول الوضع القانوني للأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية ، وإحالة العديد من الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية خاصة ملف الاستيطان، والتوجّه إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية أو أن تستلم الأمم المتحدة المسؤولية عن فلسطين المحتلة.

إن أية قراءة موضوعية لمُجريات الأحداث، منذ وعد ترامب مروراً بقرار الليكود وليس أخيراً تصويت الكنيست على قانون القدس الموحّدة وعدم التنازل بالمفاوضات المستقبلية عن أجزاء من القدس الشرقية، لا بدّ من أن تقودنا إلى نتيجة مفادها أن من يمتلك القوة يكون قادراً على التأثير في مُجريات التاريخ، وأن من يمتلك الحق من دون القوة لن يلتفت إليه أحد في عالم لا تعنيه كثيراً قضايا الضمير والعدل إن لم تتوافق مع مصالحه.