عميرة أيسر

كاتب جزائري

الجزائر في نُصرة فلسطين

جاءت التحرّكات الأخيرة للشارع الجزائري والتي لا تزال أصداؤها الإيجابية تنعكس على الوجدان العام للمجتمع، حيث أن الفعاليات الجمعوية والثقافية الداعِمة للقدس، باعتبارها عاصمة أبدية ودائمة للدولة الفلسطينية، لا تزال مستمرة وإن بأشكال وصوَر مختلفة من عقْد للندوات والمحاضرات في الجامعات، إلى  تنظيم مُنتديات ثقافية  وفكرية للتذكير بقيمة القدس ودور القضية الفلسطينية الهام في الحفاظ على الأمن القومي العربي ككل، وكذلك استمرار موجة المُناصرَة الشعبية والدعم على كافة الأصعدة والمستويات.

القضية الفلسطينية والتي هي قضية الأمّة جمعاء تحرص الجزائر دائماً على تقديم كافة أشكال المساندة والدعم لها

فكل هذه الفعاليات النشطة والمدعومة رسمياً تعكس ولا ريب مقولة الزعيم العربي الجزائري الخالد هوّاري بومدين رحمه الله، الذي يُعتبر أول زعيم عربي أدخل القضية الفلسطينية إلى مبنى الأمم المتحدة، في شخص زعيم منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك الشهيد  الرمز ياسر عرفات رحمه الله، وهو يحمل مسدسه في خاصرته و غصن الزيتون في يده الأخرى كما قال: في خطابه الشهير والتاريخي الذي ألقاه من على منبر الأمم المتحدة، بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1974م و هو يبكي وسط تصفيق العالم ويقول لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي، ولا ننسى بأنَّ الجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي قبلت بأن يتم إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة من على أراضيها، ولم تخضع حينها للضغوط الغربية أو الصهيونية، وكان ذلك في 15 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1988م في نادي الصنوبر البحري في العاصمة، حيث أعلن ياسر عرفات رحمه الله قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وبعدها بأيام خطب إسحاق شامير والذي كان رئيس وزراء الكيان الصهيوني في الفترة الممتدة ما بين سنوات 1986-1992م ردّاً على هذه الخطوة غير المُتوقّعة بالنسبة إليهم قائلاً: بأنَّ من زرعوا الإرهاب على أرضناَ سوف نزرع الإرهاب على أرضهم، و لا يُخفى الدور الكبير  لجهاز الموساد الصهيوني في الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد خلال ما يُعرَف بالعشرية السوداء، فالجزائر التي يعتبر الكثير من أبنائها فلسطين جزءاً لا يتجزّأ من الهوية القومية لهم، حتىَّ أن  الكثيرين منهم يعتبرون بأنَّ استقلال الجزائر سيبقى ناقصاً من دون تحرير كل شبر من أرض الرباط ومسرى الأنبياء عليهم السلام جميعاً.

 

فالقضية الفلسطينية والتي هي قضية الأمّة جمعاء تحرص الجزائر دائماً على تقديم كافة أشكال المساندة والدعم لها، إن رسمياً أو شعبياً بالرغم من الوضع الحسّاس جداً الذي تمر به البلاد سياسياً واقتصادياً في الفترة الراهنة، حيث أضحت مُستهدَفة إعلامياً ودبلوماسياً وحتىَّ أمنياً من عدَّة جهات وعلى رأسها الجماعات الإرهابية المُتربّصة بحدودنا الجنوبية والشرقية، والتحرّشات الصهيونية المستمرة بنا وكان آخرها التدوينة التي غرَّد بها وزير الدفاع الصهيوني أفيغدور ليبرمان على حسابه في تويتر ، والتي اعتبر فيها بأنَّ   دوراً رئيسياً وفعالاً للجزائر في التصويت  الأممي الإيجابي والذي جرى  تمريره في مبنى الأمم المتحدة، حيث صوّتت فيه أغلبية دول العالم بواقع 128 صوتاً داعِماً لإعادة الوضع في الأراضي الفلسطينية المُحتلة إلى وضعه السابق، وكذلك يُطالب مشروع  هذا القرار المجتمع الدولي بالضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب  لكي يُلغي قراره القاضي باعتبار مدينة القدس عاصمة أبدية للصهاينة من دون غيرهم، وهي التدوينة التي أحدثت ضجّة في وسائل الإعلام العربية وحتى العالمية.

وفي مواقع التواصل الاجتماعي والتي تُبيِّن وباعتراف صهيوني صريح بأنَّ الجزائر كانت ولا تزال من أكبر الدول العربية التي تُساند القضية الفلسطينية، ومن الدول التي تُعتبَر عدوّاً شرساً لهذا الكيان المقيت ، ويعتبرها الصهاينة عثرة في سبيل هيمنتهم الكاملة على هذه القضية ومن ثم الاستفراد بها لإنهائها بالكامل، وهو الشيء الذي لن تسمح الجزائر الرسمية والشعبية  بحدوثه مُطلقاً، وهذه الأمور تُعتبَر من الحقائق  الدامِغة التي يحاول البعض في وسائل الإعلام العربية تشويهها أو التغاضي عنها كلّية، ومحاولة تقزيم دور الجزائر اقليمياً ودولياً في هذا الملف،  بل هناك من وسائل الإعلام الإخوانية أو الخليجية مَن يحاول الإشارة إلى وجود نوع من التطبيع السرّي في العلاقات بين الجزائر وتل أبيب، من دون أن يأتوا بدليل واحد على صحّة ادّعاءاتهم الكاذبة تلك، وهو الأمر الذي ينفيه حتى الصهاينة أنفسهم، فالجزائر التي كانت ولا تزال داعِمة لكل الشعوب المُستعمرَة في العالم، والتي تُعتبَر قبلة لكل الأحرار والثوّار طوال تاريخها المجيد، لا يشرّفها أن تُطبِّع مع كيان مُجرم لا تعترف بوجوده أصلاً، لأنَّ الدولة التي دفعت مليوناً ونصف مليون شهيد من أجل أن تتحرّر من نير الاستعمار الفرنسي الغاشِم، والتي كتبت تاريخها بماء الذهب، لن ترضى بأن تكون دولة ثانوية أو مُعادية للقضية الفلسطينية. لأنها تعرف أكثر من غيرها قيمة الشهادة  والتضحية في سبيل الوطن، وستبقى فلسطين كما قال الرمز الراحل هوّاري بومدين رحمه الله تعالى، الإسمنت المُسلَّح الذي يجمعنا والديناميت الذين يُفجّرنا، وستبقى الجزائر كلها واقفة خلف نضالات الشَّعب الفلسطيني العظيم، حتى تحرير أرضه  بإذن الله تعالى شاء من شاء وأبى من أبى.