صانع الزمن الجميل

فتية ذلك الحدث، الذي كسر جزءاً من شكيمتهم، هم شبان اليوم. هؤلاء يتحسسون فكر مغنية ويحاولون تحليل شخصيته.

يجمع من عرف مغنية على شخصيته الفذة

وصل الخبر إلى أحدهم في المدرسة. على هول الصدمة سارع لإخبار أحد المدراء. وطأة الاسم نادر التداول تدعو لحديث جانبي بصوت خافت. "حاج عم بقولو الحاج عماد استشهد". ظن المستمع أن الاغتيال حصل في بيروت، فما كانت يومها سوريا عرضة لهكذا عمليات. حزمت إدارة المدرسة أمرها إسوة بنظرائها، وقررت التعطيل في اليوم التالي حداداً على أحد قادة المقاومة.

في الطابق الثالث، يدخل الناظر الصف. يوزع أوراقاً فيها إعلان عن عطلة في اليوم التالي. استغرب التلامذة الذين لم يكونوا قد بلغوا سن الرشد بعد، لكنهم فرحوا. فغداً راحة من الدراسة. لكن، مهلاً. "تعطل الثانوية يوم غد الأربعاء 13/2/2008 دروسها بمناسبة استشهاد الحاج عماد مغنية". لماذا يجب أن تعطّل المدرسة دروسها لتشييع قائد في المقاومة؟ من هو مغنية؟ بعد وقت عرِف أنه قضى في سوريا. أحد الطلاب، في الثالثة عشر من عمره، أخذ يحلل. "هيدا لي بينقل سلاح الحزب من سوريا"، آخرون صدقوه، لكن دموعاً في عيون البعض تقول أكثر من ذلك.

صبيحة اليوم التالي، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت تستعد لتشييع "الحاج رضوان"، اسم مغنية الحركي. حزن يلف مداخلها، شوارعها ومجمعها المعهود الذي منه خرجت الجنازة، شارك فيها التلامذة بأغلبيتهم. تعرفوا عليه يومها على لسان السيد حسن نصر الله، الذي رأى أن معرفة مغنية تصب في "مصلحة الأمة". إنه شهيد بحجم أمة، إذاً. شهيد للبنان وفلسطين. كيف تحلى رجل بحجمه بهذا الخفاء؟ هذا سر مغنية، سر نجاحه الذي حدا بكثيرين للقول بأنه الرجل الأول في تاريخ الصراع مع اسرائيل.

فتية ذلك الحدث، الذي كسر جزءاً من شكيمتهم، هم شبان اليوم. هؤلاء يتحسسون فكر مغنية ويحاولون تحليل شخصيته. يرون أن مغنية كان ترابياً. تراه كان خجولاً، تحمر وجنتاه اذا ما تعرض لإطراء من أحد. ربما كان ينسدل دمعه على خديه في زيارة أمه، في تذكره لأخويه الشهيدين وقوافل مقاتليه. تبدو شخصيته شاعرية، طرأت عليها الحرب فاضطر للانخراط في العسكر. آخرون منهم، يعتقدون أنه ولد من أجل فلسطين، وسخِّر لها دون غيرها. لكنهم يجمعون، أنه ليس من زمن المقاومة الجميل، بل هو صانعه.