صلاح السقلدي

كاتب صحافي يمني

إصلاحات محمد بن سلمان ما هي أبعادها؟

بدأ في المملكة العربية السعودية قبل أيام قليلة أول عرض "أوبرا"  تحت عنوان "عنتر وعبلة"، في تظاهرة  ثقافية شهدت نفاذ التذاكر في أوّل أيام العرض. هذه الخطوة تأتي ضمن سلسة خطوات شرعت بها هذه المملكة المحافظِة منذ تسنّم الملك سلمان بن عبدالعزيز ونجله الأمير محمد السلطة.. فما يحدث  اليوم بالمملكة وصفه بن سلمان قبل أيام بأنه عملية العلاج بالصدمة لتحديث الحياة الثقافية والسياسية.

إصلاحات محمد بن سلمان ما هي أبعادها؟
إصلاحات محمد بن سلمان ما هي أبعادها؟

مع تولي الملك سلمان حكم المملكة وبزوغ  نجم ولي عهده محمد بن سلمان على الساحة السياسية، شهدت المملكة عدة تغيرات انفتاحية مهمة فيما تم اعتبره كثير من المراقبين رغبة سعودية جادة بقطع علاقتها مع أتباع هذه الحركة الوهابية المحافظة. وتحدّثَ مؤخراً ولي العهد محمد بن سلمان عما أسماه بالحالة غير العادية وغير الطبيعية التي دخلت على المجتمع السعودي في إشارة إلى حركة الصحوة وما وصفه بالإسلام الغير معتدل، مشيراً الى ضرورة إعادة المملكة الى سابق عهدها واعتدالها قبل 30  عاما مضت!

يرى بعض المحللين (المؤيدون للحكومة السعودية تحديداً) ارتباط حركة الصحوة وتأثرها بفكر جماعة الإخوان المسلمين في اشارة منهم الى إلصاق تهمة التطرف بها..فثمة خطاب سعودي اليوم يلقي باللائمة على انتشار التطرف  بالعالم على تلك الحركة الصحوية - باعتبارها وفقا لهذا الخطاب - حركة إخوانية إرهابية, دافعاً هذا الخطاب التهم عن الحركة الوهابية  السلفية. وهذا اعتساف لجزء كبير من الحقيقة، فجذور وجذوع وفروع الفكر الجهادي المتشدد سُــقيت من معين الفكر الموروث الوهابي المتشدد. لكن الحكومات السعودية المتعاقبة شريكة بصناعة هذا العنف  الإخواني. فيكفي ان نتذكر أن أخطر الكتب الإخوانية وبالذات كتب الداعية الشهير سيد قطب المثيرة للجدل مثل كتاب "معالم  في الطريق" وغيرها من الكتب قد طُبعت بالمملكة على نفقة وزارة الارشاد والتعليم  وظلت تدرس بالمدارس الحكومية  الى عهد قريب نكاية بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر في ذروة خصومتها مع القومية العربية وتدخلاتها بالشأن اليمني بعد الثورة الجمهورية لمصلحة الملكيين وما بعد ذلك الى قبل أعوام قليلة وربما ما زالت حتى اليوم تدرس هذه الكتب ولو بنطاق ضيق.

اتبع أوباما سياسية برغماتية واقعية حيال الحليف الشرق الأوسطي الهام "السعودية", أثارت حفيظة الرياض خصوصاً حين كان الرجل يلامس نقاط الضعف والحرج السعودي وبالذات مسألة منابع تمويل التطرف الديني فكرياً ومادياً، ونصائحه أي أوباما المستمرة للسعودية وغيرها من حلفاء واشنطن بالمنطقة- باستثناء اسرائيل طبعا- بضرورة  القيام بإصلاح الشأن الداخلي وتنقيته مما علق به من شوائب التطرف , والاعتماد على النفس بشكل أكثر ,واستمر أوباما على ذلك المنوال حتى آخر يوم من  ولايته ,ليأتي بعده خلَفَـهُ الرئيس دونالد ترامب ليشكل هذا الأخير أيضا كابوساً ونكبة على صانع القرار السعودي ويربكه بالصميم لما حملَـهُ من خطاب انتخابي صادم تجاه ممولي التطرف وتهديداته الواضحة لشركائه بشأن مواصلة حمايتهم عسكريا من عدمه, حيث ظل يردد القول بأن أميركا لن تحمي بعد اليوم أحد بالمجان وأن أية حماية ستكون باهظة الكلفة.

هذا  الخطاب الترامبي الغليظ كان ينزل على مسامع الرياض كالصواعق في وقت كان الملك سلمان ونجله في وضع "حيص بيص" بشأن تعبيد الطريق للأخير نحو العرش الملَـكي, حيث كانا يخوضان أصعب مراحل الصراع على الحكم مع منافسيهم من أمراء الأسرة الحاكمة التواقين للعرش, وهذا ما فطن له ترامب واستثمره بكل صفاقة ولؤم ,وطفق يمارس أشرس أساليب الابتزاز والمساومة مع الملك ونجله بعقلية سمسار العقارات وجشع أساطين بورصات الأسهم, فكان حينها يلوّح بوجه الملك ونجله بأوراق أمراء منهم بن نائف قبل أن يتنازل عنهم في نهاية المطاف بمليارات الدولارات, وكان له  أي ترامب ما أراد حين عاد الى بيته الأبيض  من أول رحلة له الى الشرق الأوسط -إلى الرياض- محملاً بقرابة نصف ترليون من الدولارات أعتبرها مراقبون أكبر رشوة بالتاريخ. وهذا المبلغ كان كافياً لأن تغض واشنطن طرفها تجاه مغامرات بن سلمان  بالداخل السعودي تجاه معارضيه السياسيين و الاثرياء ومغامراته بالمنطقة, وبرغم كل ذلك لم يكتف الرجل "ترامب" بما جناه, بل ظل يمارس أشد ضغوطاته على الرياض مرّكِـزاَ جُـلّها على مسألة مكافحة الارهاب وتجفيفه من منبعه الاساس هناك, وأتّـبع لذلك روزنامة ضخمة من أهم بنودها تغيير المناهج الدراسية السعودية بشكل جذري وكبح الخطاب الديني المتشدد وإحكام الرقابة المالية على الجمعيات والمسارب المالية التي تصب في وعاء الجماعات المتطرفة, مع اشتراطه دخول المملكة مرحلة اصلاحات دينية وثقافية وفكرية جذرية بهذا الشأن, ربما هذه الرغبة الأمريكية وافقت شيء من رغبات الأمير الشاب بن سلمان.