حسام بن الأزرق

أكاديمي في كندا ومترجم في قسم اللغات الحديثة

المعادلة الصعبة للأزمة بين مقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية

يتوّجب على الحكومة الفدرالية التدخّل من أجل توفير الاعتمادات المالية اللازمة وإيجاد آليات وبرامج لحماية السواحل الغربية من أيّ تسرّب نفطي قد يشكّل كارثة بيئية على الإنسان والحيوان.

يُعيد هذا الخلاف بين مقاطعتيّ ألبرتا وكولومبيا البريطانية الجدل السائد حول العلاقة الجدلية الكائنة بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة
يُعيد هذا الخلاف بين مقاطعتيّ ألبرتا وكولومبيا البريطانية الجدل السائد حول العلاقة الجدلية الكائنة بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة

شهدت مؤخراً العلاقات بين مقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية في كندا توتراً وتصعيداً غير مسبوق بسبب مشروع خط الأنابيب «ترانس ماونتن». فبعدما عبّرت حكومة ألبرتا عن رغبتها بتوسيعه لقيَ هذا المشروع معارضة حادّة من مقاطعة كولومبيا البريطانية التي تتخوّف من أن أي تسرّب نفطي قد يؤدّي إلى تلويث سواحلها. فبعدما احتدم هذا الخلاف وتطوّر إلى حرب تجارية, قدّمت ألبرتا مشروع قانون لوقف صادراتها من البنزين لكولومبيا البريطانية.

وكنتيجة لهذا المأزق، هدّد المتعهّد الأميركي للمشروع بالانسحاب وهو ما قد يمثل ضربة موجعة لرئيس الوزراء جستن تريدو المتمسّك بأنبوب «ترانس ماونتن»، والذي من المتوقّع أن ينقل 890 ألف برميل يومياً بدلاً من 300 ألف حالياً. وسيمكّن هذا المشروع البالغة تكلفته 7.4 مليار دولار الصناعة النفطية في ألبرتا من بيع إنتاجها المتزايد في أسواق جديدة خاصة الصين والهند. وتسعى الصناعة النفطية الكندية إلى بناء أنابيب جديدة خصوصاً في اتجاه المقاطعات الشرقية (كيبك والمقاطعات البحرية)، وذلك من أجل الوصول إلى حرفاء جُدد والتقليص من الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية كأكبر مورّد للنفط الكندي خاصة وأن أتاوا صارت تتوجّس من السياسات التجارية الحمائية للرئيس الأميركي. (حرب خشب وحليب بين أميركا وكندا).


حسابات سياسية وعين على الانتخابات القادمة في 2019

وبعدما رفض في 2016 أنبوباً آخر (Northern Gate) يدافع ترودو هذه المرة عن توسيع «ترانس ماونتن» ويؤكّد أن التنمية الاقتصادية وحماية البيئة يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب. وينطوي هذا الموقف على مخاطر يمكن أن يواجهها في ضوء الانتخابات التشريعية في تشرين أول/ أكتوبر 2019، فقد وعد ناخبيه أثناء الانتخابات السابقة بخفض انبعاثات غاز الدفيئة الذي يأتي معظمه من استغلال الرمال النفطية في ألبرتا. و تجدر الإشارة إلى أن كولومبيا البريطانية هي واحدة من المقاطعات الثلاث مع أونتاريو وكيبك التي انتخبت العدد الأكبر من نواب حزب ترودو عام 2015، بينما ألبرتا غير ممثّلة إلا بثلاثة من أصل 183 نائباً ليبرالياً في مجلس النواب. و مع إصراره على دعم مشروع «ترانس ماونتن»، فقد يضطر ترودو للتضحية ببعض الأصوات في مقاطعة كولومبيا البريطانية من أجل إرضاء واستمالة جزء كبير من الناخبين في مقاطعة ألبرتا التي كانت لفترة زمنية طويلة ولا زالت محسوبة على المحافظين.

ويتّسم الوضع بمزيد من الخطورة والحساسيّة لرئيس وزراء كولومبيا البريطانية جون هورغن، الذي اعتلى سدّة رئاسة المقاطعة العام الماضي بعد أن بنى حملته الانتخابية على معارضة الأنبوب بالإضافة إلى دعم حزب الخضر والأمم الأولى. ويبقى استمرار حكومته رهناً بدعم 3 من نواب حزب الخضر المعارضين للمشروع. وبناء على ذلك، فإن أيّ تنازل قد يُقدم عليه جون هورغن سيكون بمثابة الانتحار السياسي.

أما بالنسبة إلى رئيسة حكومة ألبرتا راشيل نوتلي، فإن استماتها في الدفاع عن الأنبوب ستعزّز رصيدها السياسي على مستويين: أولاً، من خلال دعم وترسيخ صورتها كزعيمة ومُدافعة شرسة عن مصالح مقاطعة تمثّل الصناعة النفطية أكبر مصدر دخلها. ثانياً، من خلال قطع الطريق على المحافظين الذين ما انفكّوا ينتقدون سياساتها الاقتصادية التي يعتبرونها "يسارية" وقائمة على إثقال كاهل المواطنين بضرائب جديدة "ضريبة على انبعاث الكربون".


المعادلة المستحيلة: الاقتصاد أم البيئة

يُعيد هذا الخلاف بين مقاطعتيّ ألبرتا وكولومبيا البريطانية الجدل السائد حول العلاقة الجدلية الكائنة بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، والتي تعتبَر من المسائل التي أمست تشغل بال الكثير من صنّاع القرار والسياسيين والناشطين في المجتمع المدني. ولئن كانت منافع توسيع الأنبوب عديدة كخلق مواطن شغل وتوفير إيرادات إضافية بقيمة 73.5 مليار دولار قد تستغل من أجل دعم قطاع التعليم والصحة وتحسين البنية التحتية والاستثمار في مشاريع عملاقة ستجعل من ألبرتا واجهة جذّابة للاستثمارات الأجنبية، فإن الهاجس البيئي لمقاطعة كولومبيا البريطانية مفهوم ومعقول. وبيدو أن أية محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع والمضيّ قدماً في عمليات توسعة الأنبوب قد يؤدّي إلى اضطرابات وتظاهرات في مقاطعة كولومبيا البريطانية وحملات للتصدّي لسير الأشغال. وقد حذّر مراقبون ومحلّلون من إمكانية تحوّل الخلاف إلى أزمة دستورية.

ولذلك، يتوّجب على الحكومة الفدرالية التدخّل من أجل توفير الاعتمادات المالية اللازمة وإيجاد آليات وبرامج لحماية السواحل الغربية من أيّ تسرّب نفطي قد يشكّل كارثة بيئية على الإنسان والحيوان.

ومع تنامي خطر الانحباس الحراري والتغيّرات المناخية، أضحت الرهانات والسياسات البيئية من بين المسائل التي تلعب دوراً كبيراً في إسقاط حكومات وصعود غيرها. فهل يدقّ مشروع توسيع أنبوب «ترانس ماونتن» – إن وقع فرضه بقوّة القانون- آخر مسمار في نعش حُكم رئيس حكومة بريتيش كولومبيا جون هورغان؟

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً