محمّد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

انتخابات فنزويلا، استمرار الفشل الأميركي

ما مرّت به البلاد آنذاك يتجاوز الضغوطات التي تتعرّض لها فنزويلا اليوم، أغلقت المصارف والمحال التجارية واستوردت فنزويلا – بحر النفط - البنزين من البرازيل.كانت نجاة تشافيز من تلك الازمة قصّة خيالية برأي المعارضة، ولكنها حدثت فعلاً. قَبِل تشافيز بعدها بالكثير من مطالب المعارضة ومنها إجراء استفتاء على رئاسته، ومرّ منها جميعاً بدعمِ قاعدته الشعبية.

 ما مرّت به البلاد آنذاك يتجاوز الضغوطات التي تتعرّض لها فنزويلا اليوم
ما مرّت به البلاد آنذاك يتجاوز الضغوطات التي تتعرّض لها فنزويلا اليوم

أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو بعد حصوله على أكثر من 5.8 مليون صوت من أصل 9 ملايين شخص توجّهوا إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، وهو ما يشكّل تقريباً 68% من الأصوات. وبذلك تجدّد الفشل الذي لازم محاولات الولايات المتحدة الأميركية في إسقاط الحكومة الثورية في فنزويلا منذ عام 2000م إلى الآن؛ محاولات تأرجحت بين خيارات التغيير عبْر صناديق الاقتراع والتأثير في قرارات المُقترعين، إلى إثارة الفوضى في البلاد عبْر شعارات "الديمقراطية"  إلى ضرب الاقتصاد الفنزويلي وتصنيع التضخّم بالتعاون مع فئة رجال الأعمال الموالية للسياسة الأميركية في فنزويلا.

قد تشكّل محاولات الولايات المتحدة الأميركية في إسقاط الحكومة البوليفارية في فنزويلا مادة هوليودية خصبة لصُنّاع الأفلام السينمائية في الشمال؛ فالمحاولات التي نجحت أحياناً ببساطة في دول أخرى، لم تفلح أبداً في فنزويلا، ولم تتكرّر التجربة المأساوية في إسقاط حكومة السلفادور الليندي في تشيلي بعد حجب البضائع عن الأسواق عبر التجار والتنسيق مع فئةٍ ضيقةٍ من الجيش ضده عام 1973م.

عام 2002 حدثت محاولة انقلابية من داخل المؤسّسة العسكرية التي لم يكن تشافيز قد أنجز مهماته الإصلاحية داخلها بعد، أودت به إلى السجن لمدة 48 ساعة قبل أن تتمكّن قاعدته القوية في الأحياء الفقيرة وضباط الجيش الموالين له إعادته إلى قصر ميرافلوريس. بعدها بشهور، وقبل نهاية العام دعت الإدارات العليا في شركة النفط إلى إضراب عام لم تستجب له المرتبات الوسطى والدنيا الموالية لتشافيز، ولكن الإدارات العليا التي تضرّرت من سياسة مكافحة الفساد التي أطلقها تشافيز والتي حرمتهم من نهْبِ المؤسّسة وقضاء الإجازات المطوّلة في الولايات المتحدة، تمكّنت في نهاية المطاف من تعطيل عَصَب الاقتصاد في البلاد؛ النفط.

 ما مرّت به البلاد آنذاك يتجاوز الضغوطات التي تتعرّض لها فنزويلا اليوم، أغلقت المصارف والمحال التجارية واستوردت فنزويلا – بحر النفط - البنزين من البرازيل.كانت نجاة تشافيز من تلك الازمة قصّة خيالية برأي المعارضة، ولكنها حدثت فعلاً. قَبِل تشافيز بعدها بالكثير من مطالب المعارضة ومنها إجراء استفتاء على رئاسته، ومرّ منها جميعاً بدعمِ قاعدته الشعبية.

ثمة تحوّلات تكتيكية في السياسة الأميركية لإسقاط النظام في فنزويلا بعد رحيل تشافيز، تجدر الإشارة إلى بعضٍ منها هنا:

أولاً: لم تتمكّن الإدارة الأميركية في عهد تشافيز من وقف تمدّد اليسار في القارة اللاتينية، فحاولت إسقاط المركز في فنزويلا من الداخل أولاً. في عهد مادورو تحاول الولايات المتحدة البدء من الأطراف ومحاصرة فنزويلا عبر طوقٍ من اليمين في دول القارة، يمكن تلمّس ذلك في التعليقات الرسمية على نتائج الانتخابات الرئاسية، مثل الأرجنيتن وتشيلي والمكسيك في الشمال، كما يمكن تلمّسه من نتائج الانتخابات الرئاسية في دول الجوار الفنزويلي وموجة العودة إلى اليمين.

ثانياً: انخفاض أولوية تدبير الانقلابات العسكرية ، فحجم الإصلاحات في المؤسّسة العسكرية الذي سلّمه تشافيز لمادورو يحمل رصيد حماية كاف من الاختراقات للسنوات القادمة.

ثالثاً: تأجيل الحسم عبر صناديق الاقتراع في ظلّ القناعة الأكيدة من نجاح مادورو، وهذه القناعة الأكيدة تكوّنت بسبب حال التفكّك المُزمِنة في صفوف المعارضة من جهة، والعجز عن إحداث شرْخٍ في التيّار المقابل، تحت عنوان "التشافيزيين ضد مادورو".

رابعاً: الاعتماد الرئيسي على استمرار العقوبات الاقتصادية، وجعل الاقتصاد يصرخ بسبب حجب الأسواق والاستيراد وخفض سعر النفط أكثر من الاعتماد على الداخل كما هي الحال في محاولة إضراب شركة النفط عام 2002م، وهذا ما تحاول فنزويلا التخفيف من آثاره عبر التنسيق مع روسيا والصين، ومن ذلك أن تطرح فنزويلا بيع النفط بالروبل والجوان بدلاً من الدولار، وهذا ما أعلنت عنه شركة بروليوس دي فنزويلا رسمياً قبل شهور.

دعوة المعارضة لمُقاطعة الانتخابات هي تعبير عن وضعيّة الاستراتيجة الأميركية الراهنة؛ لا يمكن إسقاط النظام عبر صناديق الاقتراع في ظلّ معارضةٍ مُفكّكة، والعجز عن تفكيك الحكومة البوليفارية عبر استحضار مُقارنات تشافيز- مادورو، ليس من السهل العبث بالمؤسّسة العسكرية؛ كل ما يمكن فعله الآن محاولة خنْق فنزويلا سياسياً واقتصادياً من الخارج والجوار، والانتظار قليلاً..

في المقابل لا تمتلك الحكومة البوليفارية ترَفَ الانتظار ، فمشاريع مُكافحة الفساد التي ابتدأها تشافيز، والتي أنجبت معارضة من مؤيّدي الأمس، لا بد من أن تُستَكمل، وتوسيع دور الدولة خارج حدود صناعة النفط لا بد من أن تُستَكمل أيضاً، تلكم هي الضمانات الأساسية لمنع أي انشقاق خطر قد يحيط بجوهر التجربة البوليفارية في فنزويلا.