محمود شومان

صحفي مصري وكاتب

الموت المُفاجئ لصفقة القرن

أمضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إل جانب حكومة الاحتلال الإسرائيلي وبنيامين نتنياهو وقتاً طويلاً لرسم الملامح والنقاط الرئيسة لخطة السلام الأميركية "صفقة القرن" بتأييد عربي واسع لتلك الخطة حازت عليه واشنطن من التحرّكات التى أجراها عرّابا الصفقة جاريد كوشنر، صِهر الرئيس الأميركي والفتي المقرّب من رئيس الوزراء الإسرائيلي وجيسون غرينبلات مَبعوث الإدارة إلى الشرق الأوسط.

التراجع السعودي عن دعم صفقة القرن الذي كشف عنه مؤخراً كان بمثابة أبرز "الطعنات" التي وجهت للصفقة
التراجع السعودي عن دعم صفقة القرن الذي كشف عنه مؤخراً كان بمثابة أبرز "الطعنات" التي وجهت للصفقة

كانت البنود الرئيسة للصفقة قائمة على "انتكاسة فلسطينية" تبدأ بالتخلّي عن مدينة القدس بشكلٍ موّحد كعاصمةٍ للاحتلال والقبول بقرية أبوديس "في ضواحي القدس" كعاصمة للشعب الفلسطيني وهي خطوة كانت واضحة جداً بالإعلان الأميركي الاعتراف بالمدينة كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة من تل أبيب إليها.

كما شملت التخلّي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وقصر تعريف اللاجئين على الجيل الذي هجّر خلال نكبةالعام 1948 بينما يتم تحرم أبناءهم وعائلاتهم من هذا الحق وتحرم كذلك اللاجئين الذين يحملون جنسية دولة أخرى.

و الاحتفاظ الإسرائيلي بالمسؤولية الأمنية لمعظم الضفة الغربية ومعابر الحدود وإبقاء وادي الأردن تحت السيادة الإسرائيلية والسيطرة العسكرية ، إضافة إلى إنشاء مشاريع صناعية وتنموية في سيناء لخدمة سكان قطاع غزّة بالتنسيق مع مصر.

رسم ملامح الصفقة تزامن مع ضغوطات اقتصادية صارِمة بحق الفلسطينين من قبل الإدارة الأميركية بتجميد مساعداتها المالية للسلطة الفلسطينية، وفقاً للقانون المعروف باسم “قانون تايلور فورس” والذي يقضي بوقف كافة المساعدات عن السلطة الفلسطينية ما لم توقف السلطة الفلسطينية المخصّصات التي تدفعها لأُسَر الشهداء والأسرى الفلسطينيين. إلى جانب خفض المساعدات المُقدَمة لوكالة الأنرو بإيعاز من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما يعني تأثر نحو مليون شخص في قطاع غزّة تدعمهم الوكالة بمواد غذائية و 267 مدرسة و21 مؤسّسة صحية هناك. إلا أن الدلائل والحقائق على الساحة العامة الآن تشير إلى أن احتمالية تمرير صفقة القرن باتت مستحيلة تماماً لعدّة أسباب هي على النحو التالي:

1- التراجع السعودي

التراجع السعودي عن دعم صفقة القرن الذي كشف عنه مؤخراً كان بمثابة أبرز "الطعنات" التي وجهت للصفقة.

الملك سلمان بن عبد العزيز بعد أن أقدم على سحب الملف الفلسطيني من نجله محمّد أكد في رسالة وجّهها للإدارة الأميركية إن المملكة لن تقبل بأية خطة سلام تخفق في معالجة وضع الأراضي الفلسطينية وخاصة القدس الشرقية وحق العودة. كما عبّر الملك السعودي عن دعمه للموقف الفلسطيني وأكّد للزعماء العرب إن المملكة لا تزال تشارك في مبادرة السلام العربية لعام 2002 فى اتصالات أجراها مع عددٍ من القادة العرب.

وبالفعل أكّد السفير الفلسطيني في الرياض، باسم الآغا أن الملك سلمان أخبر الرئيس محمود عباس بأنه لن يتخلّى عن الفلسطينيين، وأنه سيقبل ما يقبلون وسيرفض ما يرفضون، في إشارة إلى صفقة القرن التي تقف السلطة الفلسطيينة ضدّها بشكلٍ كامل.

2- التخلّص من جاريد كوشنر

فمؤخراً تحدّثت صحيفة “الأندبندنت” البريطانية في تقرير لها عن احتمالات الإطاحة بجاريد كوشنر وزوجته إيفانكا وإبعادهما عن البيت الأبيض لإقدامهما على الكثير من التجاوزات، وتوريطهما الرئيس ترامب في العديد من السياسات الفاشلة والتى كان أبرزها سياسة فصل الأطفال عن آبائهم المهاجرين، وهي السياسة التي فضحت الوجه العنصري اللاإنساني للإدارة الأميركية ودفعتها إلى التراجع عنها رضوخاً للانتقادات المحلية والدولية.

فابتعاد كوشنر عن مراكز صنع القرار مع ما كان يلعبه من دور واسع فى تلك الصفقة يشير إلى أنها باتت فى طريقها للموت المّفاجىء .

3- المقاطعة الفلسطينية

المقاطعة الفلسطينية للإدارة الأميركية منذ القرارات الأميركية في ما يخصّ القدس واستمرارها إلى الآن رغم الضغوط العربية الواسعة خاصة من وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان لإنهائها من أبرز الدلائل على التدهور الذي أصاب الصفقة مؤخراً.

4- تغيّر اللهجة العربية

من المُلاحظ مؤخراً تغيّر اللهجة العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية من التجاهل التام لها وصولاً إلى التأكيد علي موقف ثابت اتجهاها.

فبينما كانت الأردن تشكّل جزءاً مهماً من الصفقة خرج العاهل الأردني ليؤكّد موقف الأردن الثابت والواضح من القضية الفلسطينية الذي يستند إلى حل الدولتين ، وبما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مُشدّداً على أنه لا ضغوط على المملكة لتغيير موقفها.

مضيفاً مانصّه "موقفنا في الغرف المغلقة وأمام العالم هو موقف ثابت لا يتغيّر أبداً"، مشيراً إلى زيارته للولايات المتحدة ولقاءاته في واشنطن مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأركان الإدارة والكونغرس، حيث جرى التأكيد على موقف الأردن الثابت والواضح من القضية الفلسطينية الذي يستند إلى حل الدولتين وبما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».

كذلك الحال للرئيس المصري الذي كانت تتحدّث وسائل إعلام مختلفة عن دور له فى تنفيذ الصفقة أكد دعم مصر للجهود والمبادرات الدولية الرامية للتوصّل إلى تسوية عادلة وشاملة، طبقاً للمرجعيات الدولية المتّفق عليها، وعلى أساس حل الدولتين وفقاً لحدود 1967، تكون فيه القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين.

كل تلك الدلائل تشير بوضوح إلى أن صفقة القرن في طريقها إن لم تكن قد وصلت بالفعل إلى "نهايتها".