صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

ذكرى موقعة الاحتلال الانكليزي لمصر

كان للجيش المصري حركة وطنية بقيادة أحمد عُرابي ورفاقه عُرِفت بـ ( الثورة العُرابية ) ودعمها مثقفون أمثال الشيخ محمّد عبده بهدف منع التدخّل الأجنبي في مصر بسبب الديون في عهد الخديوي توفيق .وفي ذكرى موقعة التل الكبير التى هزم الإنكليز  فيها أحمد عُرابي ودخلوا القاهرة بعدها كان لعامل الخيانة من عدّة أشخاصٍ سبباً في تسهيل الأمور للإنكليز في احتلال مصر. لكن كيف ذلك ؟ ومَن هم الخونة ؟ وما هي مصلحتهم؟

معركة التل الكبير
معركة التل الكبير

في الساعة الواحدة والنصف صباحاً من يوم 13 سبتمبر/ أيلول 1882 في معسكر الجيش المصري بالتل الكبير، عُرابي في خيمته يقرأ الأوراد والأدعية، والجنود المتطوّعون قد انتشروا على امتداد ستة كيلومترات، داخل الخنادق والاستحكامات المُقامة من الرمل والطين، منهم الآلاف ممَن يحملون سلاحاً، ومنهم مَن لا يحمل شيئاً، ويجيء سعود الطحاوي إلى عُرابي في خيمته يُطمئنه ويقسم له أن الانكليز لن يهجموا قبل أسبوع على الأقل، ثم يتسلّل خارجاى إلي صفوف الانكليز ليرشد طلائعهم في صباح اليوم التالي! أطمأن الجنرال ويلسي القائد الانكليزي إلى أن المصريين سينامون ليلتهم نوم الأبرار، ويُطفىء الجيش الغازي أنواره ويخيّم الظلام الدامِس ويزحف 11 ألفاً من المُشاة و 2000 من الفرسان، و60 مدفعاً، وسعود الطحاوي في المقدّمة يرشدهم إلى الطريق، ولم يكن يؤدّي هذه المهمة وحده، بل كان يعاونه لفيف من ضباط أركان حرب المصريين الذين خانوا واجبهم وتحالفوا مع الشيطان مقابل حفنة من الجنيهات الذهبية! تحرك الجيش الانكليزي وكان من المُفترض أن تكون أول نقاط المواجهة مع فرقة السواري ولكن قائدها عبدالرحمن حسن كان يعلم بنبأ الهجوم وعلي اتصال دائمٍ بالانكليز، فتحرّك بجنوده تحت جناح الليل بعيداً عن أرض المعركة ليمر الجيش الانكليزي في سلام! ويتقدّم الجيش الزاحف، ويلمح عن بُعد مصابيح تنير له الطريق، إنه علي يوسف الشهير بخنفس باشا قد أرسل جنوده للراحة، ثم خاف أن يضلّ الانكليز طريقهم فوضع لهم المصابيح التي ترشدهم إلى الطريق الذي يسلكونه! أصبحت الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعون وقد تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود حين أُعطيت إشارة الهجوم وانطلق ستون مدفعاً وأحد عشر ألف بندقية، وألفان من الحراب، تقذف الهول والموت والفزع في الجند النائمين، الذين قاموا على صرخة واحدة، لا يعرفون أهي القيامة، أمْ بركان انشقت عنه الأرض، أمْ الان: ليز! تفرّق المصريون يبحثون عن مهربٍ فلا أحد كان يتوقّع الخيانة. كان عُرابي لايزال في خيمته يصلّي الفجر على ربوةٍ قريبةٍ حين باغته الهجوم وسقطت قذيفة مباشرة على خيمته، فتركها طعمة للنيران، وأسرع وامتطي جواده، ونزل في ساحة المعركة فأذهله أن رأى جنوده يفرّون ووقف يحاول عبثاً جمعهم  ولكن التيار كان جارفاً، وقد ضاع صوته في انفجارات القنابل وطلقات الرصاص، وكادت المدافع تصيبه، ولكن خادمه لوى عنان فرسه قهراً عنه فأنقذ حياته، وانطلق يعدو بجواده إلى بلبيس ليحاول عبثاً أن يقيم خطاً ثانياً للدفاع عن القاهرة .. ولما غربت الشمس خلف التلال كانت الدماء التي بيعت تخضّب رمال الصحراء وتشكو إلى ربها مرارة الخيانة، وكانت الذئاب قد أقبلت تنهش الجثث التي ملأت الخنادق التي أقامها الفلاحون المصريون من الرمل والطين والدماء، و كان المصوّرون الانكليز يلتقطون صوَراَ تذكارية لجثث الفلاحين المصريين لنشرها في صحف لندن للتباهي بالنصر الوضيع! أما الذين باعوا وطنهم فقد قبضوا الثمن بضعة آلاف من الجنيهات وقد كتب خنفس إلى الانكليز يتظلّم لأنه أخذ ألفين فقط ولم يأخذ عشرة آلاف مثل سلطان باشا رئيس مجلس.

فلقد استشهد في معركة التل الكبير سبتمبر 1882 الضابط محمد عبيد ومعظم رجاله وبعدها نجحت بريطانيا في احتلال القاهرة أيلول/ سبتمبر 1882. فأظهرت معركة التل الكبير ملمح الخيانة التي تعرّض لها أحمد عُرابي والتى تحدث في كل عصر كما حدثت أثناء احتلال الأميركان للعراق حين تم تسريح الجيش العراقي. فضعاف النفوس الذين تغريهم الأموال يبيعون الوطن مقابل حفنة من الأموال وتفنى الأموال وتبقى الخيانة تعرفها كل الأجيال.