صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

مشروع موانزا التنزاني أول المشروعات المائية الإسرائيلية في منابع النيل

لم تكن مساهمة إسرائيل في بناء سد النهضة هي أول مشروع مائي إسرائيلي في دول منابع النيل الدائمة أو الموسمية، بل كان مشروع مونزا التنزاني 1962م أوّل مشروع مائي. لقد بدأ التغلغل الإسرائيلى في أفريقيا منذ 1957 عقب مؤتمر أكرا في غانا وكانت آليات السياسة الإسرائيلية في أفريقيا الدخول من الجانب الاقتصادي بحجّة تنمية هذه البلدان، ولقد عملت بجدية من أجل إقامة علاقات مع دول منابع حوض  النيل ومن ضمنها دولة تنزانيا.

حزب المؤتمر الشعبي العام: جريمة القاعة الكبرى وكل جرائم التحالف السعودي في اليمن لن تسقط بالتقادم
حزب المؤتمر الشعبي العام: جريمة القاعة الكبرى وكل جرائم التحالف السعودي في اليمن لن تسقط بالتقادم

 لقد بدأت في مشروع اقتصادي لاستصلاح الأراضي وزراعة القطن  في منطقة موانزا بدولة تنجانيقا كانت تهدف من ذلك المشروع إقامة علاقات قوية مع التنزانيين، بالإضافة إلى العمل من خلال سفارتها فى دار السلام بالتعاون مع بريطانيا ونيريرى في القضاء على الوجود العربي في سلطنة زنجبار فى انقلاب يناير 1964 من أجل تطويق الدولة المصرية من الجنوب في عهد الزعيم عبد الناصر، الذي كان يدعم الحزب الوطني الزنجباري، وهو الحزب العربي الذي كان يحكم حتى انقلاب يناير 1964، وبذلك يخلو لها المجال للعمل على تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية من تنزانيا من دون وجود عربي في زنجبار أو تنزانيا.

وكان لهذا المشروع الاقتصادي نتائج هامة منها أنه كان بداية اتجاه إسرائيل للتنمية الاقتصادية في دول حوض النيل بغرَض التأثير على حصّة مصر من مياه نهر النيل حيث أن مشروعات استصلاح أراضٍ تستهلك قدراً كبيراً من المياه.أقامت إسرائيل من خلال هذه المشروعات علاقات قوية مع العديد من دول حوض النيل، ما دعم موقفها السياسي في المحافل الدولية ضد القضية الفلسطينية. وكذلك ساعد هذا المشروع على التغلغل الإسرائيلي في تنزانيا مما كان له دوره في انقلاب يناير 1964 الذي أنهى الوجود العربي في زنجبار.

وكان أول مشروع مائي إسرائيلي في منابع النيل مشروع موانزا في تنزانيا (1962 – 1965)، هو مشروع توطين واستصلاح أراضٍ في منطقة موانزا القربية من بحيرة فكتوريا قام به الهستدروت الإسرائيلي (اتحاد نقابات العمال). ويعتبر الهستدروت من أنشط الأجهزة الإسرائيلية النشطة وأكثرها فاعلية في ما يختصّ تنفيذ السياسة الإسرائيلية في أفريقيا، فهو بحُكم مكانته وظروف نشأته تشارك أعماله وتنظيماته معظم الأحزاب السياسية في إسرائيل ويضمّ حوالي 90% من عمّال إسرائيل ويمارس الهستدروت دوره في السياسة الخارجية الإسرائيلية في أفريقيا عن طريق عدّة هيئات:

-إدارة التعاون الدولي والعلاقات الدولية التي تنظّم الاتصالات مع نقابات العمال في أفريقيا  - تقديم المنح الدراسية والتدريبية – دعوة كبار الشخصيات لزيارة إسرائيل.

-الشركات التي يملكها الهستدروت مثل شركة (سوليل بونيه) للإنشاء والتعمير وغيرها.

-الشركات التي يشترك الهستدروت في ملكيّتها مع الحكومة الإسرائيلية أو الوكالة اليهودية مثل شركة ميكوروت ونسيم للملاحة.

-بعض الأجهزة العلمية مثل المعهد الأفروآسيوي.

وفي عام 1961 تمّ إنشاء مركز للتدريب المهني في تل أبيب لجذب العناصر الأفريقية. ولقد ارتبط الهستدروت بالإتحاد الدولي لنقابات العمال ما أتاح له الوصول إلى عدد من الزعامات العمالية والتنظيمات النقابية ، وتعاونت الهستدروت مع اتحاد العمال الأميركي على إنشاء المعهد الآسيوى الأفريقي في تل أبيب لتدريب القيادات العمالية في آسيا وأفريقيا ، وبدأ التدريب الفعلى 1960 وبجانب خدمة منظمة الهستدروت للأغراض السياسية لإسرائيل، كان يخدم أيضاً الاقتصاد الإسرائيلي فأنشأت المنظمة شركات مملوكة ملكية خاصة له وشركات مختلطة الملكية. وكان  النشاط التدريبي الواسع في قطاع الزراعة وكان أداتها في ذلك نشاط الهستدروت وإنشاء مراكز تدريب وإرسال الوفود من الدول الأفريقية والآسيوية إلى إسرائيل للتدريب.

في سنة 1962 بدأت الحكومة التنزانية في هذا المشروع وكان أساسه خلق قرى جديدة وإعادة توطين الفلاحين فيها . ففي حديث للرئيس نيريري 10 ديسمبر 1962 (قبل أن أستطيع جني الثمار لمشروع التطوير والنهوض بفلاحي تنجانيقا قال علينا في البداية أن نسهل عليهم الحياة في المجتمعات القروية الجديدة)، كما وضع النائب الثاني للرئيس نيريري وهو ر.م كاواوا الذي رأى أهداف المشروع في إحلال الزراعة الحديثة محل الزراعة الاقطاعية إعادة تجميع وتوطين الفلاحين في مساحات أخصب وإدخال نظام الدورة الزراعية بدلاً من المساحات شبه الصحراوية. خلق قرى تكون في ما بعد مراكز للتقدّم التجاري والاجتماعي. قامت الحكومة التنزانية بالتعاون مع شركة أجريديت الإسرائيلية في تنفيذ هذا المشروع في منطقة موانزا بالقرب من بحيرة فكتوريا وهي المنتج الرئيسي للقطن في تنزانيا. الهدف مزدوج رفع الطاقة للاقليم وخلق القرى التعاونية لتنمية الاقليم اجتماعياً.

وانتشرت المستعمرات الزراعية في تنزانيا على ضوء التجربة الإسرائيلية وتحت إشراف الخبرات الإسرائيلية خاصة على ضوء تجربة المزارع الجماعية الإسرائيلية والكيبوزات والمزارع التعاونية (الموشاف)، وانتشرت هذه المزارع  نتيجة الأثر الذي انطبع في نفوس الزوّار التنزانيين لإسرائيل، وما شاهدوه وتمنّوا أن يطبّقوه في بلادهم وتركيز إسرائيل على مزارعها والمنحى الاشتراكي الذي تسير عليه تنزانيا، ونتيجة لذلك أقامت الخبرات الإسرائيلية ثلاث مزارع مساحتها ألف فدان لزراعة القطن ومحاصيل عذائية، وأشرف على إدارة المشروع ستة خبراء إسرائيليين وشركة أجولا يديف الإسرائيلية امتد نشاط الهستدروت إلى تنظيم اتحاد عمال تنجانيقا على غراره.

ولقد بدأ البرنامج التدريبي لتدريب التنزانيين في إسرائيل على الزراعة والخدمات الزراعية منذ عام 1960 أي قبل تنفيذ المشروع بعامين. وهذه الدورات  كانت تنظّمها وزارة الخارجية الإسرائيلية والحكومة الإسرائيلية، وتمت في كليات الزراعة في الجامعات والمعاهد المتخصّصة والمستعمرات الزراعية. وكانت  تنظّم الدورات في أماكن مختلفة تتلاءم مع البيئة الأفريقية التنزانية. فقد نظّم معهد حيفا 1962دورات دراسية وتدريبية، نظّم أيضاً معهد التكينون في حيفا سنة 1962 دورات تدريبية في الهندسة الزراعية مدّة الدورة ثلاث سنوات يتبعها تخصّص لمدة عام في الزراعة الاستوائية والتربة والمياه والميكنة الزراعية، وقام مركز التدريب في رحفوت بتقديم برامج تدريبية في التخطيط الريفي الشامل للمشروعات للمشروعات الزراعية والصناعية، وقام المعهد الزراعي الإسرائيلي وكليات الزراعة في الجامعات والمعاهد المتخصّصة بأبحاث عن البيئة والزراعات التنزانية.

وقدّم المعهد الأفروآسيوى في تل أبيب عشرات الدورات الزراعية بتقديم عشرات الدورات في مجال الزراعة تتراوح مدّة الدوره من  أربعة  شهور  إلى ثلاث سنوات كفترة دراسية طويلة تبدأ بدراسة نظرية وأكثرها تدريب عملي. كما أقامت مركزيّ تدريب في تنزانيا في المزارع كان يتخرّج من المركز الواحد 400 متدرّب سنوياً من المركز التدريبي الواحد. إدخال نظام الموشاف ( القرى التعاونية الإسرائيلية) لتوطين المجتمعات عن طريق المساعدات الخارجية.

ولقد كان مشروع موانزا بالقرب من بحيرة فكتوريا في تنزانيا واحداً من أكبر التحديات أمام المساعدات الإسرائيلية بغرض تنمية هذا الاقليم. ولقد قدّمت إسرائيل لتنجانيقا قرضاً قيمته 5,8  مليون دولار عام 1963 منها 3,6 مليون دولار لبناء فندق كليمنجارو والباقي لتنفيذ المشروعات الزراعية المُتّفق عليها، ولقد وجّهت إسرائيل أكثر من 50% من خبراتها العاملة في ميدان الزراعة وما يتعلّق بها تجربة المزارع الجماعية (الكيبوتزات) والمزارع التعاونية (الموشاف  للعمل في أفريقيا).  

بدأ المشروع سنة 1962 في ثلاث مناطق هي مباريكا ومنطقة كلامير ومنطقة نيو تواي. بتكوين مجموعة تعاونية من 15 أسرة في مباريكا وهي واحدة من المساحات الثلاث التي تكون مشروع موانزا وفي السنة الثانية أضيفت 35 أسرة يزرعون 200 فدان ، تم توطين 100 أسرة في منطقة كالامير لزرع 400 فدان لزراعة القطن، وفي منطقة نيوتوي توطين 15 أسرة لزرع 45 فدان قطناً، في السنة الثالثة 1964 ظلّ عدد الأسر في مباريكا بينما زادت المساحة إلى 225 فداناً، و تضاعف العدد في منطقة كالامير 100 أسرة أخرى و400 فدان وفي نيوتواي زاد عدد الأسر إلى 50 أسرة تزرع 256 فداناً، وفي 1965 كان عدد الأسر 200 أسرة تزرع  854 فداناً. وأدخل الإسرائيليون نظام الزراعة الحديثة, والأرقام التقريبية لعدد الأسر التي تمّ توطينها حوالى 500 أسرة في الثلاث مناطق سالفة  الذكر، وتمّ استصلاح حوالى 2000 فدان في مدة ثلاث سنوات مدة المشروع من (1962م – 1965م) ، وتمّ تطبيق نظام الرّي الدائم وزادت المساحة المزروعة قطناً وزادت كمية إنتاج المحصول من القطن لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة.