صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

العلاقات العُمانية البريطانية في مؤتمر دولي بمسقط

شهدت مسقط في الأيام الماضية تظاهرة ثقافية عالمية بمشاركة باحثين من 15 دولة وعدد أوراق 43، وشهد المؤتمر مناقشات وشد وجذب حول العلاقات العُمانية البريطانية . وهذا المؤتمر نظّمته هيئة "الوثائق والمحفوظات الوطنية".

أوصى المؤتمر بضرورة البدء في مكتبة عُمان الرقمية وتشجيع الباحثين على التنوّع
أوصى المؤتمر بضرورة البدء في مكتبة عُمان الرقمية وتشجيع الباحثين على التنوّع

ناقش المؤتمر أوراق الباحثين عن العلاقات العُمانية البريطانية في أربعة قرون  وتحديداً منذ أواخر القرن السادس عشر، برزت إنكلترا كقوّة كبرى بين القوى الأوروبية، وعملت على إيجاد مناطق نفوذ لها في مناطق الشرق والمحيط الهندي، وعلى ذلك جاء تأسيس شركة الهند الشرقية الإنكليزية عام 1600م التي نجحت في تأسيس مركز لها في سورات في الهند، عام 1612م، ليكون منطلقاً لها نحو بسط نفوذها في المناطق الأخرى.

وقياساً على هذا الاهتمام، كانت عُمان بحكم موقعها الاستراتيجي الذي أسهم بدورٍ كبيرٍ في تكوين شخصيتها التاريخية، وفي تحديد أهمّيتها الاستراتيجية والجغرافية منذ القِدَم، واحدة من الدول التي حرصت إنكلترا على إقامة علاقات مميّزة معها ، حيث رست في عام 1613م أول سفينة بريطانية في السواحل العُمانية، لتمضي بعد ذلك سفينة العلاقات العُمانية البريطانية إلى آفاقٍ واسعةٍ من التعاون لتجتاز التقلّبات التي غالباً ما كانت تعكّر صفو الوئام الذي يجمع بين الدول الكبرى، لتكون العلاقة المُميّزة التي جمعت السلطنة والمملكة المتحدة علامة فارقة ومثالاً يُحتذى به لمثل هذه العلاقات بين الدول.

وتوثيقاً لذلك، عقدت هيئة الوثائق والمحفوظات هذا المؤتمر على  مدار ثلاثة أيام (8- 10) أكتوبر الحالي في فندق كمبنسكي مسقط، وفي كلمة السيّد حمد بن محمّد الضوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في جلسة افتتاح المؤتمر أشار إلى أهمية موقع عُمان، باعتباره حكاية خاصة من الوجهة الطبيعية بالجغرافيا، واصفاً أنها وليدة علاقة ثنائية بين التاريخ والحضارة القطر الذي يتنامى بوتيرة تصاعدية لم يعرف التجمّد الحضاري.

وقال "الضوياني": منذ فجر التاريخ وعُمان مكتظّة بالتنوّع الذي منحها خصوصيّة ورمزاً وهوية ثقافية وأخلاقية اكتستها ووحدة النسق التاريخي والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية، حيث أضحى الإنسان العُماني متوحّداً مع أرضه التي تبادله هذه الوحدة التي شكّلت الهوية الوطنية العُمانية التي أبقتها مستقلّة مُكتفية بفكرتها متوحّدة في مواجهة الغُزاة الذين تعاقبوا للنيل من وحدتها وترابها الوطني الطاهر. وأشار إلى أن عُمان تمكّنت في النصف الأول من القرن السابع عشر الخروج من السيطرة البرتغالية كأقوى قوّة بحرية محلية في غرب المحيط الهندي، وأسهم تواصلها وبناء علاقاتها مع بريطانيا في الاستعانة بخبرة شركة الهند الشرقية البريطانية في تعزيز قدرات الأسطول العُماني.

وعرَّج السيّد حمد بن محمّد الضوياني إلى الأسس التي تميّز علاقات عُمان الخارجية، وأشار إلى أن عُمان أرست مبادئها السامية الرفيعة في حُسن التعامل وثوابت المواقف ومديد المحبة والسلام، ونشر الطمأنينة والأمان وهو ما أسهم في امتداد العلاقات التجارية في عمق الأراضي الآسيوية والأوروبية والأفريقية، وعلى نهج ذلك مضت عُمان بثباتٍ ويقينٍ لا يتزعزع ليصل هذا الالتزام الثابت في النهج الحكيم في ذروته وتمكينه وتأسيسه وفق المبادئ التي أرساها السلطان قابوس بن سعيد   علاقة قوية ومستمرة _ بعد ذلك ألقى اليستر بيرت وزير الدولة بوزارة الخارجية وعضو البرلمان البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كلمة أكد خلالها على عُمق العلاقات القوية والتاريخية بين السلطنة وبريطانيا، وأنها في تطوّر مستمر وتشمل كافة المجالات الاقتصادية، السياسية، السياحية، التعليمية ومجالات الدفاع والأمن، موضحاً أن التمرين العسكري العُماني البريطاني المشترك "السيف السريع 3" الذي سيبدأ خلال النصف الثاني من شهر أكتوبر الجاري يُعدّ واحداً من أكبر التمارين العسكرية المشتركة للقوات البريطانية خلال العقد الأخير.

وأكد الوزير البريطاني على أن العلاقات الراسخة بين البلدين والتي تمتد لقرونٍ عديدة تتواصل في شخصية السلطان ، وملكة المملكة المتحدة لبريطانيا وإيرلندا الشمالية، وأنها ماضية إلى آفاقٍ أرحب وأوسع. تاريخ العلاقات بين بريطانيا وعُمان وبجانب الكلمات المُعبّرة عن عُمق العلاقات العُمانية البريطانية، والصلات التاريخية بين البلدين، تضمن حفل افتتاح أعمال المؤتمر الدولي السابع لهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، تدشين كتاب "تاريخ العلاقات بين بريطانيا وعُمان"، الذي قام كل من سفيري بريطانيا السابقين لدى السلطنة بإصداره، ليكون توثيقاً تاريخياً للعلاقة المميّزة التي جمعت بين البلدين باعتبارها علامة فارقة ومثالاً يُحتذى به لمثل هذه العلاقات بين الدول. ويستعرض الكتاب العلاقة التي بدأت منذ القرن السابع عشر مروراً بحقبة حرب ظفار مستنداً إلى الأدلّة من خلال الوثائق والمستندات، كما أن الباحثين يسلّطان الضوء على العقود الخمسة الماضية من خلال تجربتهم الشخصية كونهم سفراء سابقين لبريطانيا.

وبعد مناقشات خرج المؤتمر بعدّة توصيات، وأوصى بضرورة البدء في مكتبة عُمان الرقمية وتشجيع الباحثين على التنوّع في الاعتماد على المصادر والمراجع الوثائقية العربية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والهولندية والروسية والفارسية والبرتغالية والعثمانية والهندية واللغات الأخرى؛ للكشف عن طبيعة العلاقات العُمانية البريطانية والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وإلى توجيه طلاب الدراسات العليا والباحثين إلى إعداد البحوث العلمية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه التي تتناول العلاقات التاريخية بين عُمان وبريطانيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية. وتقديم مِنَح بحثية لدراسة هذه العلاقات.

وأّكدت توصيات المؤتمر على "تعميق البحث العلمي وتحرّي الموضوعية والدقّة بالرجوع إلى المراجع العربية والأجنبية في إعداد الدراسات والبحوث، وتُعدّ الوثائق والآثار أهم الأسُس اللازمة في هذا الجانب". كما أوصى المؤتمر بإنشاء بنك معلومات خاص بالعلاقات العُمانية البريطانية والدول الأخرى بالتعاون مع دور الأرشيفات العالمية والجهات العلمية المُختصّة في تلك الدول.

وأوصى المؤتمر بضرورة تشجيع التنقيب والبحث عن الآثار والمحافظة عليها، وترميمها، حيث إنها تُعدّ مصدراً مكمّلاً للوثائق والمحفوظات في توثيق المعلومات التاريخية والحضارية، كما نادت توصيات المؤتمر بإبراز أهمية السلام والتعايش السلمي وتشجيع قِيَم التسامُح والعيش المشترك في تعزيز العلاقات بين دول العالم، وأشارت التوصيات إلى ضرورة الاهتمام بالتاريخ الشفوي لما يمثله من قيمةٍ علميةٍ وفكريةٍ في إثراء البحوث والدراسات التاريخية المعاصرة ذات العلاقة بين سلطنة عُمان وبريطانيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، كما أكّدت على أهمية مواصلة عقد المزيد من المؤتمرات الدولية الهادفة لتبادل التجارب والخبرات بين المؤسّسات العلمية والثقافية بين سلطنة عُمان ودول العالم.