عبد الله خليفة

كاتب لبناني

أزمة حكومة أم أزمة حُكُمْ؟

وضع سقف للخلاف السياسي أمر ضروري كي تتوحّد جهود الجميع في عملية بناء الدولة، والثقة تؤسّس لمفهوم قَبول الآخر شريكاً في الحُكم أو حتى قبول الآخر وحيداً في الحُكم فالأهم في نهاية المطاف ليس تمثيل الأحزاب أو عدم تمثيلها بل الأهم هو مصلحة المواطن في دولة الجميع ومصلحة الجميع في دولة المواطن.

لبنان يمرّ في مرحلة تطوّر ديالكتيكية تحصل للشعوب بشكلٍ عام
لبنان يمرّ في مرحلة تطوّر ديالكتيكية تحصل للشعوب بشكلٍ عام

لا يمكن في التاريخ صناعة وطن كل عام أو كل أربعة أعوام كما لا يمكن تغيير هويته السياسية من اليمين الى اليسار أو من محور إلى محور بعصا سحرية يخفي ساحرها أوراقه للَّحظة الأخيرة، ويظهر الحل فجأةً كأنه كان يرتدي  قبعة الإخفاء.

حقيقة التوزيع على حصص كبرى تجعل من الصعب اتخاذ قرار فردي بإدارة وتصويب الخلافات، في حين أنَّ المنطق يستوجب من الرئيس المُكَلّف تشكيل حكومته قبل تأليفه بمسوّدة من وزراء يمكنه العمل معهم في خططه المُعدّة لمعالجة أزمات البلاد وتسيير الحُكم فيها، نرى أنَّ الأسماء والحصص تُفرَض على الرئيس فيما يعمَد هو بعدها لقبول بعضها ورفض الآخر بحسب رؤيته التي يضعها لحصّة كل فريق، ولو افترضنا أن الرئيس المُكلّف يعود إليه إعطاء كل فريق حقّه في الحكومة، فإنَّ ما لا يعود إليه هو أسماء الوزراء وشخصياتهم ما يفتح الباب مستقبلاً لخلافات داخل حكومة غير منسجمة في حال كانت الشخصيات التي تنتقيها القوّة الوطنية للحُكم غير مُتناغٍمة فيما بعضها البعض أو فيما بينها وبين الرئيس المكلّف.


ولو تجاوزنا مرحلة التأليف نقع في مطبّ البيان الوزاري الذي تحوّلَ عملاً إلى ما يُشبِهُ الدستور المرحلي الذي يرسم خطة عمل الحكومة ومنهجية تعاطيها مع قضايا الخلاف الوطني، وهذا كلُّهُ يشبه العازل الذي يوضع على حبل البارود لتأخير انفجاره هذا الحبل الذي يمتد من أزمة إلى أخرى ومن استحقاق إلى آخر يكون فيه البلد عرضةً للإنفجار حتى يأتي الذي يقطع الحبل،
ومشاكل لبنان الكبرى هي مشاكل سياسية، حيث أنّها تأخذ حصّة الأسد في مقابل المشاكل المعيشية والإقتصادية وغيرها، فعلى سبيل المثال سَيُعَدُّ إنجازاً كبيراَ ( وهو كذلك ) إنتخاب رئيس للجمهورية وإقامة إنتخابات نيابية أو الحفاظ على الأمن في حين أنَّ هذا كله يحصل تلقائياً في نظام حكم سليم يؤمن بتداول السلطة وحرية الإنتخاب، وكأن مشكلتنا الكبرى كوطنٍ هي في التعامل مع " التلقائيات " أمّا الأوجاع التي يأُنُّ منها الشعب والضائقات المالية والأوضاع المعيشية والإقتصادية والبنى التحتية كلَّها مؤجلة إلى حين حل الخلاف السياسي.

والواقع أنَّ لبنان يمرّ في مرحلة تطوّر ديالكتيكية تحصل للشعوب بشكلٍ عام وتتغيّر على أثرها المجتمعات وأنظمة الحكم نتيجة صراع الأضاد فيها ، علمياً إنَّ التغيير حاصل لا محالة ومشهد لبنان السياسي لن يكون كذلك بعد مدّة من الوقت تتحكّم فيها "العوازل" على شريط البارود وقدرة القوى الحاكمة احتواء الفكر الشاب والحركات التقدمية في داخلها.
جزء كبير من الحل يتمثّل بالعودة إلى روح الدستور: إنَّ الدساتير جاءت لتنظّم في داخلها الأطر القانونية للحركة السياسية في البلاد والدستور له صفة المرونة لاحتمال تعديله أو إضافة مواد عليه، وبالتالي فإنّ الاحتكام الحقيقي لرأي الدستور سيوفّر على القائمين على الحُكم الكثير من الخلافات، ولو أن نصوص معيّنة لا تتوافق وإدارة الحياة السياسية فتعديل بعض فقرات الدستور ليس عيياً ما دام تعديله يحصل من خلال النواب الذين هم ممثلو الشعب وهذا يعني أن الشعب بدوره هو الذي يرسم حياته السياسية والمستقبلية.

حكومة ومعارضة:

وباحتكام الجميع إلى الدستور والثقة بمواده يصبح حينها حكومة فريق سياسي واحد يربح الانتخابات ويُدير البلاد هو في أصل النظام الديمقراطي في مقابل معارضة مُمَثلة بأقليّة تراقب الحكم وتعارض حين تدعو الحاجة للاحتجاج والمعارضة، حينئذٍ تحدث منافسة حقيقية بين الأحزاب لتقديم برامجها الانتخابية التي ترى فيها الحل لمشكلات الناس ، وحين تفشل أو تنجح يكون ذلك واضحاً لا أن تأتي إلى البلاد حكومة تمثّل جميع الأفرقاء تضيع بينهم مسؤولية الفشل ويعجز المواطن حينها عن معرفة الحقيقة.

الثِّقة!

الثِّقة لا أقصد بها هنا تلك التي تنالها الحكومة من البرلمان، بل الاطمئنان الذي يحصل لدى أطراف الحكم بعضهم من بعض، وهذا هو الدافع الأكبر الذي يُسَهِّل التكليف والتأليف وسلالسة إتمام الإستحقاقات الوطنية جميعها، فوضع سقف للخلاف السياسي أمر ضروري كي تتوحّد جهود الجميع في عملية بناء الدولة، والثقة تؤسّس لمفهوم قَبول الآخر شريكاً في الحُكم أو حتى قبول الآخر وحيداً في الحُكم فالأهم في نهاية المطاف ليس تمثيل الأحزاب أو عدم تمثيلها بل الأهم هو مصلحة المواطن في دولة الجميع ومصلحة الجميع في دولة المواطن.