بين السعودية و تركيا.. تفاصيل ومساومات

السعودية معنية بقضية اختفاء خاشقجي على اعتبار أنه مواطن سعودي، وقد قام بزيارة قنصلية بلاده بالتنسيق مع السفير السعودي في واشنطن، لكن دخل ولم يخرج، وعليه لم تقم السعودية بتقديم دليل مادي مُقنع يتعلّق بخروج خاشقجي من القنصلية، بل ادّعت بأن كاميرات المراقبة مُعطّلة، ما جعل آل سعود أصحاب المسؤولية الأولى عن مصير خاشقجي، لكن في مقابل المسؤولية التي يتحمّلها آل سعود عن مصير خاشقجي.

من الواضح أن مصلحة واشنطن من هذه القضية تتمثّل في إطالة أمَد التحقيقات
من الواضح أن مصلحة واشنطن من هذه القضية تتمثّل في إطالة أمَد التحقيقات

يبدو أنه لا مصلحة سعودية في قتل خاشقجي أو إخفائه في دولة تشوب العلاقة معها مطبّات سياسية وأمنية، بل على العكس قيام آل سعود بهذه العملية سيمنح تركيا وبطريقةٍ مجانية هامشاً كبيراً لابتزاز آل سعود، وأكثر من ذلك، حيث أن قتل معارض سعودي لا يعني إطلاقاً تكميم أفواه باقي المعارضين السعوديين، وبالتالي لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تصل السعودية إلى هذه الدرجة من الغباء في التخطيط والتنفيذ، خاصة أن آل سعود يمتلكون الكثير من العملاء القادرين على تصفية خاشقجي و بعيداً عن الأضواء والضوضاء.

أما تركيا، بصرف النظر عن أن القنصلية السعودية تُعدّ بمثابة أرض سعودية حسب الأعراف الدبلوماسية، لكن خاشقجي اختفى على أراضيها، وبالتالي فهي معنية بهذه القضية، فـاختفاؤه أثار موجة عارِمة من الانتقادات والتكهّنات، والأهم أن ما حدث بالعُرف التركي يُعدّ انتهاكاً للأمن القومي، فعملية الاختفاء تمّت تحت سمع وبصر الأمن التركي.
بين تركيا والسعودية وضمن المصالح المشتركة في اختفاء خاشقجي، لابدّ من التنويه إلى أن كلا الطرفين له مصلحة باستثمار هذه القضية إلى الحد الذي تكون فيه واشنطن قد مرّرت العديد من الملفات السياسية المتعلّقة بالرياض وأنقرة، السعودية تريد إحراج تركيا في المنطقة وإقصاءها عن الحلم الذي يراود أردوغان لجهة زعامة العالم الإسلامي، أضافة إلى محاولة السعودية بجلب دعم واشنطن في هذه القضية، ليظهر أردوغان في موقف الضعيف والمُفَرّط بالسيادة الوطنية أمام الضغوط التي ستمارسها الإدارة الأميركية عليه، أما تركيا فتريد جرّ السعودية إلى التوقّف عن تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، تمهيداً لإطلاق يدهم في العمل السياسي في الخليج العربي، بالإضافة إلى الرغبة التركية المُتمثّلة بتوجيه الأنظار عن ممارسات نظام أردوغان لجهة قَمْع معارضيه وتكميم أفواههم، لكن هناك نقطة تمكّنت تركيا من حصدها إبان اختفاء خاشقجي، هذه النقطة تُعدّ بمثابة تفوّق استراتيجي، حيث تمكّن أردوغان من تأجيل وربما إنهاء مسألة التقارُب السوري _ السعودي والذي تسعى روسيا إلى إرساء أسسه، وهذا ما بدا واضحاً في مسألة التصريحات السعودية تجاه سوريا والرئيس السوري، وأيضاً لقاء وزير الخارجية السوري بنظيره البحريني، ما فُسّر بأنه بداية حلحلة القضية السورية الخليجية، فـتركيا لا مصلحة لها إطلاقاً في هذا التقارُب الذي تشرف عليه روسيا، والذي سيكون له تداعيات جمّة على النفوذ التركي في سوريا.

من الواضح أن مصلحة واشنطن من هذه القضية تتمثّل في إطالة أمَد التحقيقات، ليتسنّى لها استغلال المعلومات وترجمتها بالابتزاز المالي سعودياً والضغط على التركي لوقف تفاهماته مع روسيا، فالرجل المفقود يقيم في الولايات المتحدة، ويمتلك الكثير من المعلومات عن آل سعود، وباختفائه فقد فقدت واشنطن كنزاً ستحاول تعويض خسارته عبر الضغط على آل سعود وتركيا سياسياً واقتصادياً، وبالتالي يمكننا تصنيف تصريحات ترامب الأخيرة، وخاصة تلك المتعلّقة بوقف صادرات السلاح إلى الرياض كردٍ إذا ثبت تورّطها في اختفاء خاشقجي، في إطار الإمعان بإذلال الرياض وابتزازها مالياً، إضافة إلى توجيه رسائل إلى التركي بضرورة الخضوع للرغبات الأميركية.