فادي عيد

باحث مصري ومُحلّل سياسي في شؤون الشرق الأوسط

رباعية إسطنبول ونموذج حل الأزمات من دون العرب

حقيقة الأمر أن كان ملف إدارة سوريا في إسطنبول وليبيا في روما، فباتت كل ملفات إدارة ممالك الخليج في تل أبيب، نعم تلك ليست مبالغة، الخليج الذي يمر الان بمرحلة تفكّك وسقوط على غرار ممالك الطوائف بالأندلس، بعد أن دبّ الصراع بين قطبيها السعودية وقطر جرّاء الخلاف على مَن يجلس بالمقعد الأول لإدارة الحرب في سوريا.

قد يتكرّر مشهد القمّة الرُباعية بإسطنبول التي كان يجلس فيها أردوغان بصحبة ضيوفه على كراسٍ أشبه بكراسي عروش الخلفاء العثمانيين أثناء اللقاءات الثنائية
قد يتكرّر مشهد القمّة الرُباعية بإسطنبول التي كان يجلس فيها أردوغان بصحبة ضيوفه على كراسٍ أشبه بكراسي عروش الخلفاء العثمانيين أثناء اللقاءات الثنائية

 لم يقل وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس جملة "إن روسيا ليست البديل للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط" خلال حوار المنامة (ترمومتر الخليج) من فراغ، بل بعدما أستشعر قيمة القمّة الرّباعية التي عقدت في إسطنبول بين قيادات تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، في ظل غياب الولايات المتحدة التي مازالت متواجدة بقوّة بالميدان السوري عبر عصابات قسد وما ترسم له لدولة شرق الفرات المزعومة، وعبر قاعدة التنف الحاضنة الكبيرة لتدريب وتفريغ الإرهابيين بسوريا، وأيضاً غياب إيران الحاضرة بقوّة بالميدان السوري حتى وإن كانت روسيا حاضرة نيابة عنها، وكذلك غياب أيّ طرف عربي وللدولة السورية نفسها ، وهذا ليس مفاجئاً ولا جديداً فيه، فى قمة أراها جاؤت لمناقشة التقسيم الأمثل لنفوذ كل من الحاضرين بها في سوريا، لا لبحث تهدئة أو حلول سياسية كما روّج في الصحافة الدولية ، (وأتمنى أن أكون مخطئاً)، فمستضيفة القمة نفسها تحتل أجزاء ليست بالقليلة في شمال سوريا سواء عبر جيشها بشكل مباشر، أو عبر الجيش الموازي، أو القوى الإنكشارية الجديدة لحزب العدالة والتنمية أن صح التعبير المُسمّى بالجيش السوري الحر (إخوان سوريا)، وفرنسا كانت جميع تحرّكاتها بسوريا مشبوهة سواء عسكرياً في شمال سوريا، أو سياسياً عبر دعم مسرحيات الكيماوي، وعبر تبنّي المعارضة السورية التي مثّلت الغطاء السياسي لكل تحرّك إرهابي مسلّح بالميدان.

وقد يتكرّر مشهد القمّة الرُباعية بإسطنبول التي كان يجلس فيها أردوغان بصحبة ضيوفه على كراسٍ أشبه بكراسي عروش الخلفاء العثمانيين أثناء اللقاءات الثنائية التي كانت تجمع أردوغان بكل منهم على حدة، ولكن بشكل مختلف لمناقشة مصير دولة عربية أخرى، وهنا نشير إلى مؤتمر باليرمو الذي تحضّر له إيطاليا منذ أسابيع بكل قوّة كي تدّق المسمار الأخير في نعش اتفاق باريس، وكي تؤكد حضورها بمستعمراتها القديمة، ومن اليوم الأول قلت إن فشل المؤتمر نفسه مرهون بموقف روسيا ومن مستوى حضور وفدها السياسي بالمؤتمر، فإن كان تمثيل روسيا في المؤتمر ضعيفاً فسيموت قبل أن يولَد، والعكس.

ولذلك جاءت زيارة رئيس وزراء إيطاليا جوزيبي كونتي لروسيا مؤخّراً في ظلّ عزمه على كسب تأييد أميركا وروسيا له في الملف الليبي، مقابل لعب دور الوسيط بين روسيا والاتحاد الأوروبي على غرار ما قامت به إيطاليا بين مصر والاتحاد الأوروبي بعد ثورة 30يونيو2013، والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في ليبيا.

ومن الملحوظ أن إيطاليا منذ اليوم الأول كانت تخطب ودّ موسكو أكثر من واشنطن للمشاركة في المؤتمر ولاحتواء موقف روسيا الداعم للمشير خليفة حفتر (عدو إيطاليا الأول والأخير في ليبيا.

فحتى ملف "توحيد المؤسّسة العسكرية الليبية" الذي كان يُفترض أن يصل لنتيجة نهائية في القاهرة الأسبوع الماضي بات ينتظر ما سينتج من اجتماع أطراف الصراع في باليرمو.

وحقيقة الأمر أن كان ملف إدارة سوريا في إسطنبول وليبيا في روما، فباتت كل ملفات إدارة ممالك الخليج في تل أبيب، نعم تلك ليست مبالغة، الخليج الذي يمر الان بمرحلة تفكّك وسقوط على غرار ممالك الطوائف بالأندلس، بعد أن دبّ الصراع بين قطبيها السعودية وقطر جرّاء الخلاف على مَن يجلس بالمقعد الأول لإدارة الحرب في سوريا، كما ذكر رئيس وزراء قطر الأسبق حمد بن جاسم عندما علّق على السرّ الحقيقي للخلاف بين بلاده والسعودية قائلاً: "صيدة اتهاوشنا عليها وفلتت".

فعلى أثر ذلك التزمت سلطنة عُمان الحياد في الصراع بين قطر من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى، بينما فضّلت الكويت الوقوف بعيداً إن لم تكن بجوار قطر في الكواليس، خشية من تمدّد نفوذ وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان على ممالك الخليج جمعاء، وأن يصبح ملكاً على النفط والغاز معاً، كي تشهد أروقة وكواليس الخليج صِداماً حاداً بينهم جميعاً، قبل أن يستعين كل طرف بدولة أجنبية، بعد أن اتّخذت قطر من إيران وتركيا درعاً لها، ومنذ ذلك الوقت والكل كان يبحث عن إسرائيل أولاً قبل أية دولة أخرى، سواء لرغبته في التواصل مع واشنطن، أو لتقوية موقعه وموقفه ضدّ جارته الخليجية الأخرى، أو لاعتماد كل وليّ عهد للمرحلة الجديدة كملك، وإلى ما آخره.

حتى باتت إسرائيل حاضرة في كل المناسبات، سواء سياسية أو اقتصادية أو رياضية، وباتت هي من ترسم كل مشاريع الشرق الأوسط، ولنا في مشروع نيوم، ومشروع السكك الحديدية الرابطة بين دولة الاحتلال والخليج عبرة.

ومن ذلك المشهد يتضّح أن حضور إدارة ترامب تراجع في الشرق الأوسط، وأن كلاً من الروس والإسرائيليين أكثر مَن سعوا لملء ذلك الفراغ حتى وأن كان نسبياً، حتى أصبحنا في يوم واحد نرى نتنياهو ومدير استخباراته في سلطنة عُمان، فِرَق رياضية إسرائيلية في قطر، دبلوماسيون ومستشارون أمنيون تابعون للموساد في البحرين، وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف في أبوظبي، وزير الاتصالات أيوب قرا في دبي، طائرات إنقاذ جيش الاحتلال في الأردن لمساعدة متضرّري السيول، وبآخر الليل من نفس اليوم مقاتلات الاحتلال في سماء غزّة تجعل ليلها نهاراً.

وفي الوقت الذي يكذّب فيه العالم روايات محمّد بن سلمان التي تدّعي براءته من مقتل خاشقجي كان الروس من دون غيرهم يصرّحون بأن تصريحات بن سلمان صادقة لا تقبل الشك، قبل أن يصرّح الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن حادثة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، لن تؤثر على التحضيرات الجارية لزيارة الرئيس فلاديمير بوتين المقبلة إلى المملكة العربية السعودية.