ماكرون في دعوته لإنشاء جيش أوروبي

أثارت الدعوة التي دعا اليها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى انشاء جيش اوروبي موحد يحمي أوروبا أمنياً وعسكرياً ويقلل من اعتماد اوروبا علي شراء السلاح الأميركي بمليارات الدولارات سنوياً ويمكّن الدول الأوروبية من مواجهة الأخطار الاستراتيجية و الجيو سياسية التي يتعرض لها الاتحاد الاوروبي من الولايات المتحدة و الصين و روسيا ، فالسؤال الذي يطرح نفسه ما هي الأسباب الحقيقية التي دفعت ماكرون للدعوة الي انشاء جيش اوروبي موحد خاص بالإتحاد الاوروبي ؟

إنشاء هذا الجيش الذي ستكون لفرنسا نفوذ واسع في صنع القرار فيه سيمكنها من توجيه تحركات هذا الجيش الأوروبي

ماكرون قلق من تصاعد النفوذ الروسي و قلق من الدور الروسي في شرق اوكرانيا و سيطرة روسيا علي القرم التي تمت عام 2014 و اثبتت أن النظام الدولي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفييتي وانتصار الولايات المتحدة بشكل ساحق ، هذا النظام الدولي أحادي القطبية الذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة بشكل مطلق انتهي بغير رجعة، ومع تصاعد النفوذ الروسي عسكرياً و جغرافياً وجيو سياسياً، شعر ماكرون أن اوروبا تائهة في الصراع الأمريكي الروسي، فهي من جهة لا تستطيع الانحياز لروسيا لأن أميركا هي المساهم الأكبر في حلف الناتو و من جهة اخرى لا تستطيع الانحياز لأمريكا بشكل مطلق ضدّ روسيا لأن روسيا قادرة على ضرب أوروبا كلها بورقة الطاقة التي تصدرها روسيا لاوروبا، لذلك شعر ماكرون أن اوروبا تائهة و ليس لها ثقل استراتيجي في الصراع بين الولايات المتحدة و روسيا وانها مجرد ورقة تستخدمها الولايات المتحدة في صراعها علي النفوذ مع روسيا و من هنا نفهم لماذا ذكر ماكرون ان الجيش الأوروبي الموحد يجب أن يحمي اوروبا من روسيا و الولايات المتحدة معاً ولم يذكر روسيا فقط وهو ما أثار استياء ترامب، فماكرون يريد تكوين جيش اوروبي موحد لإيجاد هوية مستقلة للدول الاوروبية في النظام الدولي متعدد الأقطاب، و ان يمنع الولايات المتحدة من استخدام الاتحاد الاوروبي كورقة مساومة أو ضغط في صراعها مع روسيا.

وأحد الاسباب التي دفعت ماكرون للدعوة لانشاء جيش اوروبي موحد، سياسة ترامب الابتزازية ضد الاتحاد الاوروبي فترامب يطالب دائما دول الاتحاد الاوروبي بتكثيف انفاقها في حلف الناتو لكي تتمكن الولايات المتحدة من الدفاع عنهم ، و يطلب ترامب بإستمرار من دول الاتحاد الاوروبي مشاركة الولايات المتحدة في تحمل نفقات حلف الناتو ، و هذا الابتزاز الواضح الذي يقوم به ترامب و هو مبدأ الدفع مقابل الحماية ، جعل ماكرون يشعر بالضيق من ابتزاز امريكا لدول الاتحاد الاوروبي كونها هي المساهم الاكبر في حلف الناتو لذلك دعا الي انشاء جيش اوروبي موحد يمكن اوروبا من الدفاع عن نفسها و عدم الحاجة عسكريا للولايات المتحدة للدفاع عن الاتحاد الاوروبي و ليس هذا فحسب فسياسة ترامب التي يتبناها و هي امريكا اولا اقلقت ماكرون بشدة لانها تعني في ظل تصاعد النفوذ الروسي و تشكل نظام دولي متعدد الاقطاب ان اوروبا ربما تكون الضحية في اي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة و روسيا و هذا هو سبب القلق الفرنسي الكبير من احتمال انسحاب امريكا من المعاهدة النووية متوسطة المدي


واحدى أهم الأسباب التي دفعت ماكرون للدعوة الي انشاء جيش اوروبي موحد الذي ستكون أغلب قياداته فرنسية بالطبع هو استخدام عدد كبير من الجيوش الاوروبية في خدمة المصالح الجيو سياسية الفرنسية و مطامعها في الشرق الاوسط و القرن الافريقي بشكل غير معلن ، فإنشاء هذا الجيش الذي ستكون لفرنسا نفوذ واسع في صنع القرار فيه ، سيمكنها من توجيه تحركات هذا الجيش الاوروبي الموحد كما تريد ، فبدل من ان ترسل فرنسا الف جندي فرنسي الي مالي لمحاربة الارهاب المزعوم هناك بإمكانها ان ترسل مئة جندي فقط و يتم توزيع العدد الباقي علي الجنسيات الاوروبية الاخري الموجودة في هذا الجيش الاوروبي الموحد و هذا يقلل الانفاق الاقتصادي الفرنسي جراء توسعها العسكري في الشرق الاوسط و القرن الافريقي ، ففرنسا تتحمل نفقات عسكرية كبيرة بسبب تواجدها العسكري في سورية و العراق و مالي و السنغال ، و هذه النفقات سيتم تقليلها اذا نشأ الجيش الاوروبي الموحد لأن تلك النفقات سوف تتوزع علي جميع الدول الاوروبية و ليس فرنسا فقط و فرنسا ستستغل ذلك من اجل توجيه هذا الجيش لخدمة اطماعها التوسعية في الشرق الاوسط و القرن الافريقي و هذا ما يفسر رفض الدول الاوروبية الصغيرة الترحيب بدعوة ماكرون لانها تدرك اهداف ماكرون الحقيقية.

أما السبب الأخير لدعوة ماكرون الي انشاء جيش اوروبي موحد فهو سبب ليس له علاقة بالمصالح الجيو سياسية بل هو سبب شخصي يتعلق بشخص ماكرون ، فماكرون زعيم ذكي و طموح و يسعي لتحقيق انجازات استثنائية في هذا العمر الصغير ، فهو يريد تخليد اسمه في التاريخين الفرنسي و الاوروبي ، و الشعب الفرنسي شعب يعتز بقوميته بشكل مذهل ، لذلك اذا نجح ماكرون في جعل فرنسا قطب دولي فاعل و مستقل عن الولايات المتحدة ، سيتم تمجيده في التاريخ الفرنسي و سيعتبره الشعب الفرنسي بطل قومي فريد من نوعه مثل الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول.

ولكن قدرة ماكرون من عدمها علي تحقيق هدفه و هو انشاء جيش اوروبي موحد تتوقف علي عدة عوامل و هي صلابة موقفه داخليا خاصة بعد تدهور شعبيته و علاقته باليمين المتطرف داخل فرنسا و مدي تنسيقه مع المانيا التي لن يستطيع تكوين هذا الجيش الاوروبي الموحد بدونها فضلا عن قدرته علي ازالة المخاوف التي صاحبت الدول الاوروبية الصغيرة بسبب الدعوة لهذا الجيش نتيجة ثقة تلك الدول الاوروبية الصغيرة المطلقة في الحماية الامريكية لها و تخوفها من استخدام فرنسا هذا الجيش لتحقيق اطماعها بغطاء اوروبي ، فهل يستطيع ماكرون مجابهة كل تلك التحديات؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد الزهاوي

كاتب مصري

إقرأ للكاتب

العدّ التنازلي لزوال إسرائيل

أعلن السيّد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله أنه يتوقّع إن أطال الله في عُمره أنه سيكون من...

الأبعاد الإقليمية للأزمات في السودان وليبيا

يسعى النظام التركي منذ صعوده لحكم تركيا إلى قيادة العالم العربي ولأن هناك صراعاً تاريخياً بين...

ورشة المنامة المال مقابل الإستسلام

تنعقد في هذه الأثناء ورشة المنامة في البحرين بقيادة صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر الذي لا...

هل قرار اندماج الحشد الشعبي في الجيش فخّ أميركي لمحور المقاومة؟

في النهاية لكي نستطيع أن نُحلّل هذا الأمر بشكلٍ دقيقٍ يجب علينا أن نفهم مُحدَّدات العلاقة بين...

الأهداف السعودية الحقيقية من امتلاك مفاعل نووي

بعد تولّي ترامب سدّة الحُكم في أميركا وإهانته للقيادة السعودية أمام العالم أجمع وابتزازه لها...

أبعاد اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة له على موقع التواصل الإجتماعي تويتر أنه حان الوقت...