ميشال كلاغاصي

كاتب سوري

معادلات شرق وغرب الفرات والخروج الأميركي من سوريا

جاؤوا منذ عقودٍ قليلة، مُعذّبين مقهورين مُطارَدين، سكنوا أرضنا وعاشوا بيننا، زرعوا وحصدوا وأكلوا وأنجبوا أولادهم، لم يحملوا أصلاً واحداً ولا ديناً واحداً ولا عرقا ً واحداً ، هنا توحّدوا وهنا اجتمعوا وهنا أصبحوا عائلةً صغيرةً وجزءاً من عائلةٍ سوريةٍ كبيرة، تحمّلوا ما تحمّلنا ونالوا ما نلنا، لم يكونوا إلاّ ضيوفاً أعِزاء وأصبحوا إخوة وأشقاء...

معادلات شرق وغرب الفرات والخروج الأميركي من سوريا
معادلات شرق وغرب الفرات والخروج الأميركي من سوريا

ما الذي حدث... ومَن أقنعهم بروايةٍ لم تحدث، وبحقوقٍ بلا حق... من أنتج وصنّع بينهم ساسة وشعراء ومؤرّخين ومثقّفين، غزلوا تاريخا ً من غير تاريخ ورسموا أرضا ً من غير أرض، وبنوا أحلاما ً وأحلافا ً لتحقيقها، من يقودهم ويسير أمامهم، ولماذا يظهر عَلم إسرائيل في مناسباتهم، ألأنها تدرّبهم فقط، وهل من الصدفة أن يكون قادتهم من أصول صهيونية، لماذا يتمتّع بعض قادتهم بعلاقة مميّزة مع عدوّهم اللدود أردوغان، عليكم إخفاء تلك الصوَر الفاضِحة المُنتشرة في وسائل الإعلام ...

ما الذي يدفعهم للتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ألحماية أنفسهم من الإرهاب – كما يدّعون - ، أمْ لوعدٍ خبيث تلقّوه على غِرار وعد بلفور! كيف لهم أن يقنعوا الناس بحربٍ يخوضونها بطريقة سلّم واستلم ، كيف يُبرّرون تكريد المنطقة ومناهج التعليم  وتغيير أسماء القرى والشوارع ، وتهجير غير مكوّنات ممَن لا يقاتلون إلى جانبهم ولا يسيرون بركبهم ، كيف لهم أن يسعوا إلى تقسيم البلاد أو باستخدام ألفاظٍ أقلّ سوءا ً كالفدرلة أو إدارة الحكم الذاتي ، كيف يُفسّرون تعاونهم ورواتبهم وتدريبهم وتسليحهم الأميركي والسعودي والإماراتي ، وماذا تراهم يقولون عن علاقتهم بالقوات الفرنسية اللا شرعية التي تتواجد في مناطقهم ويعملون على خدمتها ويحفرون الخنادق لتحصين قواعدها ...

مَن يستطيع في هذا الكون التطاول على سوريا، ولمَن ينحني التاريخ إجلالاً، أليست سوريا أقدم الأوطان وأعرق الحضارات، هي مَن كتبَ الحضارة وصَنعَ التاريخ، هي قصّة تسعة آلاف عام ولا تزال الأرض المُنجبة وحاملة الشعلة والقمر المُنير وربّة الحكمة والطقوس والأساطير والتراتيل ... ولا نفهم قناعة "قسد" والقيادية المدّعوة "إلهام أحمد" والتي تحدّثت عبر الإعلام – أكثر من مرّة – عن "الحضارة والديمقراطية التي نشأت في الأرياف البعيدة ، وحيث يسيطرون ، والتي سيدفعون بها نحو المدن الكبرى كحلب ودمشق لمُحاصرتها وإجبارها على الرضوخ للديمقراطية"..! أيّ جحودٍ هذا وأيّ جنون  وسخافة !.

لماذا يطلبون في بياناتهم موقفاً واضحاً للدولة السورية وسط ضبابية وذبذبة مواقفهم، ألا يرون وضوح الدولة السورية التي تُقاتل الإرهاب وكافة الغُزاة منذ ثماني سنوات ، وتسعى إلى تحرير كل مواطن وكل شجرة وكل ذرّة تراب، ألم يتلقّوا رسائل ودعوات الحكومة كباقي الأطراف السورية للإنخراط في الحوار الوطني، ألم يسمعوا كلام الرئيس بشّار الأسد الذي تحدّث عن الحوار مراراً وتكراراً  قبل الحديث عن القوّة، ألم يسمعوا كلام الوزير وليد المعلّم عن الحوار وبإشاراته لإمكانية الحصول على كل مطلبٍ دستوري معقول ومُتاح، لماذا يؤكّدون وضع قوّاتهم بإمرة الجيش السوري "بعد التسوية" وماذا سيقدّمون بعد نهاية "المسرحية" سوى الحصول على وظائف ورواتب لمُقاتليهم، لماذا يعلنون القوات التركية قوات احتلال ولا يرون القوات الفرنسية والأميركية كذلك....

ألا يعلمون أن الخيار العسكري الأميركي لإسقاط سوريا وصل إلى نهاية الطريق واصطدم بالجدار المسدود، فتحولوا لاستراتيجية الحل السياسي الذي يقوم على تجميد الوضع الميداني القائم الحالي، والذي يصوّر أن سوريا مؤلّفة من ثلاثة أقسام رئيسية  ، قسم ٌ تسيطر عليه الدولة السورية وقسمٌ ثانٍ غرب الفرات تسيطر عليه قوات العدو التركي وجبهة النصرة وإرهابيو الحزب التركستاني وفصائل الإخوان المسلمين والفصائل الوهّابية التي دُحِرت في وسط وجنوب البلاد ، وقسمٌ ثالثٌ شرق الفرات تسيطر عليه قوات الاحتلال الأميركي والفرنسي وقوات "قسد" و "قوات الحماية الكردية"، فكما تغطي الميليشيات الكردية النهب الأميركي لخيرات وثروات سوريا الباطنية في شرق الفرات، يفعل الشيء ذاته إرهابيو الجيش الحر ويغطّون النهب التركي المُمنهَج للثروات والآثار السورية غرب الفرات.

ألا يعلمون أن أميركا تُراهن على تفخيخ الحوار السوري – السوري بضغوط سياسة الأمر الواقع، ألا يعلمون أنها تسعى إلى السيطرة على اللجان الدستورية وعلى قرار السوريين ممَن يدّعون المعارضة، فيما هم عملاء لواشنطن ولأردوغان في شرق وغرب الفرات معاً... ألا يعلمون أنهم يحاولون إصابة سوريا بمقتل!... ماذا يسمّون أفعالهم، وماذا ينتظرون من سوريا وقيادتها وشعبها؟... وعلى جميع الأحوال تبقى أحلامهم ومشاريعهم جزءاً من مشاريع إنفصالية خاسِرة حول العالم، وبالتأكيد لن تحصد النجاح في سوريا وحدها، بعدما فشلت في كافة أنحاء العالم.

كنا نتمنّى صحوتهم من تلقائهم، وليس بعدما صرّح ترامب وأشار إلى خروج وانسحاب القوات الأميركية من سوريا، وأكّد أن: "وجود قواتهم في سوريا كان بهدف قتال داعش وقد تمّ هذا الأمر"، وسط تأكيد صحيفة الواشنطن بوست – العاجل –أن :" أميركا قرّرت الانسحاب من سوريا نهائيا ً وفورا ً".... حتى لو كانت أميركا تناور عبر هذا التصريح، وتحاول ربطه بمُقايضة انسحابها مقابل اعترافها بقرار ضمّ الجولان السوري المُحتل لصالح الكيان الإسرائيلي.... يبقى الانسحاب أمراً واقعاً وعلى البعض تلقّفه بعيداً عن المُرواغة والتذاكي.

من المؤكّد أن المشاريع شرق الفرات وغربه، لن ترى النور، وأنهم يتّجهون نحو الهزيمة الحتميّة، ولن يكون من صالح الولايات المتحدة أن تخرج مهزومة ً وسط دماء ونعوش جنودها، فأعمال المقاومة ضدّها في تصاعُد وخسائرها العسكرية لن تبقى بعيدة عن وسائل الإعلام طويلا ً، ويبقى للإنفصالين أن ينتظروا جحافل أميركية وإسرائيلية وخليجية لن تأتي لدعم أحلامهم وأوهامهم، وسيترتّب عليهم طلب العفو والحماية من الدولة السورية...

كذلك سينسحب أردوغان، وسيترك وراءه مَن اشتراهم بالمال تحت عنوان المعارضة، فجلّ ما يستطيع فعله هو السعي لإدخال بعض الأسماء في اللجنة الدستورية السورية وهذا محال ، فالقيادة السورية وعلى رأسها الرئيس بشّار الأسد أحرص الناس على حماية وتحصين النصر السوري الذي لفظَ الخونة ودَحَرَ مشاريعهم إلى غير رجعة ....

وتبقى خلاصة السنوات الماضية تصبّ في الحقيقة الناصعة ، وبانتصار سوريا العظيم، ولمَن لا يُبصرون عليهم رؤية طليعة القادة العرب الذين طرقوا أبواب دمشق في زيارة الرئيس السوداني أمس الأول، وفي حديث الرئيس التونسي اليوم عن ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية ، وسط دعم موسكو لهذا الخيار ، ووسط الحديث عن إعادة فتح السفارات العربية  وعن انتهاء الحرب على سوريا ، ليكون بوابة عبور الحكومة اللبنانية إلى النور ، وبوابة السلام في اليمن ... وإنهاء الحصار العربي على قطر  وإجراء المُصالحة العربية – العربية ، وكل ما ساروا فيه بعكس طبيعة الشعوب العربية ، ووفق نظرية الخروج من السرداب... وبالتأكيد فإن نصر سوريا يعني وقف التطبيع ووقف كافة مشاريع صفقة القرن ووقف كل أشكال تصفية القضية الفلسطينية ، وباختصار هو انقلاب العالم العربي والإقليمي والدولي بفضل انتصار سوريا العظيم.