محمّد يوسف

محام وكاتب فلسطيني

أميركا تنسحب، تركيا تكسب والسعودية تدفع الديّة "عناوين لصفقة ثلاثيّة تُحاك فصولها في الخفاء"

لقد فاجأ الرئيس الأميركي الجميع بقراره المُفاجئ بسحب قواته من سوريا وعدم الحاجة لبقائها هناك كونها أنجزت مهمّتها الرئيسة والمُتمثّلة بالقضاء على تنظيم داعش، وأن تركيا ستتكفّل بما تبقّى من الفلول وستكون قادرة على التعامل معها.

الإنسحاب الأميركي من سوريا فاجأ جميع الأطراف
الإنسحاب الأميركي من سوريا فاجأ جميع الأطراف

تتسارع الأحداث على الأرض السورية لتتباطأ وتخمد في ساحاتٍ أخرى ، انسحاب أميركي مُفاجئ من سوريا وتخلٍ عن الكرد يوازيه إعلان ترامب باستعداد السعودية لدفع فاتورة إعادة إعمار سوريا، هل هناك صفقة تمّت بين أميركا و تركيا والسعودية؟! و هل يكون سحب القوات الأميركية من سوريا وتجنّب الصِدام مع الأتراك مقابلاً لإقناع الأتراك بإغلاق قضية اغتيال خاشقجي أو على الأقل صرف النظر عنها وإهمالها لتغفو تدريجاً ويرقد ملفها في دروج النسيان، بالمقابل هل يكون إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب على صفحته على تويتر  بقبول السعودية دفع فاتورة إعادة إعمار سوريا، هو الثمن الذي توجَّب على الأخيرة دفعه لتبرئة وليّ عهدها من جريمة اغتيال الصحافي السعودي خاشقجي؟!

الانسحاب الأميركي المُفاجئ من سوريا والتضحية بالكرد ثمناً لإسكات تركيا

لقد فاجأ الرئيس الأميركي الجميع بقراره المُفاجئ بسحب قواته من سوريا وعدم الحاجة لبقائها هناك كونها أنجزت مهمّتها الرئيسة والمُتمثّلة بالقضاء على تنظيم داعش، وأن تركيا ستتكفّل بما تبقّى من الفلول وستكون قادرة على التعامل معها. سرعان ما ظهر للعلَن أن قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من سوريا لم يأت بالتنسيق مع إدارته و لا حتى وزير دفاعه، حيث دعا وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ترامب إلى جلسة مُغلقة ليقنعه بالعدول عن قراره بسحب القوات الأميركية من سوريا، ولكنه فشل في ذلك، ليُعلن  وزير الدفاع الأميركي بعدها عن نيّته في الاستقالة من منصبه بعد شهرين، الأمر الذي لم يرق لترامب وقرّر أن يُقيله بنفسه وأنه لن ينتظر حتى مُضيّ الشهرين.

الواضح أن اتّخاذ ترامب لقرار كبير و مصيري في هذا الشأن و بشكلٍ فردي، والذي يمكن أن يغيّر الكثير من المعادلات على الأرض في سوريا، و التخلّي عن الكرد بهذه السهولة، إنما ينطوي على صفقةٍ كبيرةٍ تمّت في الخفاء وتركيا بالتأكيد أحد أطرافها، لأن الانسحاب الأميركي المُفاجئ والدراماتيكي من سوريا بهذا الشكل وتَرْك الكرد لوحدهم خصوصاً بعد إعلان تركيا عن نيّتها لشنّ هجومٍ عسكري كبيرٍ على الكرد يستهدف القضاء على قوات سوريا الديموقراطية ووحدات حماية الشعب الكردي اللتان تعتبران وفق التصنيف التركي منظمات إرهابية، يقابله مقابل كبير حصلت عليه أميركا وأكاد أجزم و بشكلٍ قاطعٍ أن ملف إغلاق اغتيال الصحافي السعودي جمال  خاشقجي هو أحد الفصول الرئيسة في هذه الصفقة.

هل تكون ديّة "جمال خاشقجي" إعادة إعمار سوريا؟

لم يلبث الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيراً، بعد إعلانه لقرار سحب قواته من سوريا، حتى عاد ليغرّد كعادته على تويتر "إن السعودية قبلت بتولّي ملف إعادة إعمار سوريا، بدلاً من الولايات المتحدة الأميركية، قائلاً: إنه من الجيّد أن تقوم دول فاحشة الثراء بمساعدة جيرانها بدلاً من دول أخرى تبعد آلاف الأميال عنها، شكراً السعودية". يبدو أن الصفقة أُنجِزت وأن السعودية قبلت بأن تدفع ديّة الصحافي جمال خاشقجي ، الديّة التي حدّدها ترامب و هي تولّي إعادة إعمار سوريا.

وكما أردفت سابقاً إن الانسحاب الأميركي المُفاجئ من سوريا و إسناد مهمة مُحاربة ماتبقّى من فلول داعش لتركيا، إنما هي غطاء لتصفية الكرد في شمال سوريا  وهي جزء أساسي من الصفقة الثلاثية الأميركية السعودية التركية لإغلاق ملف اغتيال خاشقجي وإرضاء جميع الأطراف، فبذلك أميركا ستحافظ على حليفها الاستراتيجي و زبونها السخيّ الذي لاينفك عن دفع المليارت لشراء السلاح الأميركي، محمّد بن سلمان، وتركيا ستتمكّن من القضاء على التهديد الكردي على حدودها الشمالية و دفن الحلم الكردي في مهده، والمتمثّل بتشكيل دولة كردية أو حتى اقليم حكم ذاتي على  حدود تركيا الشمالية، وبالتأكيد السعودية ومحمّد بن سلمان هما الرابح الأكبر من هذه الصفقة، حيث وكما يبدو أنه سيتمّ إغلاق ملف خاشقجي وطيّ صفحته التي لطالما أرّقت محمّد بن سلمان   ووضعته في عزلة دولية و عربية خلال الأسابيع القليلة الماضية.

نهاية يبدو أن الصفقة الثلاثية الأميركية التركية السعودية في طور الإنجاز و تتّجه لتقديم تنازلات من قِبَل طرف على حساب مكاسب لطرفٍ آخر، والظاهر أن ترامب هو الرابح الأكبر من هذه الصفقة على الأقل، ومن وجهة نظره الشخصية، لكون ميزان الربح لديه يُقاس في المرتبة الأولى على الصعيد الاقتصادي بصفته يدير الولايات المتحدة الأميركية وكأنها شركة تجارية لا دولة. وهذا يتطلّب منه الحفاظ على زبائنه المُخلصين والسخيين الذين يدفعون المليارات لشراء الأسلحة من بلده وعلى رأسهم محمّد بن سلمان، تركيا أيضاً حقّقت مكاسب في الملف الكردي مقابل تنازلات في ملف خاشقجي، وكان حظ السعودية من هذه الصفقة كما سيتّضح مستقبلاً تبرئة محمّد بن سلمان من تورّطه في دماء خاشقجي.