نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

عن الصعود الروسي بعد الانهيار السوفياتي

هي نظرية "تحوّل القوة" التي قدّمها أورغانسكي والتي لا تزال صالحة للاختبار، حيث أن لكل دولة ذات موقع استراتيجي وتراث تاريخي وحضارة متميّزة، وذات قوّة اقتصادية وعسكرية، تشعر بواجبها بل وبحقّها في المشاركة في تحديد مصير العالم حتى وإن كانت وسائلها في مرحلة معينة محدودة. فهل هذا ما ينطبق على روسيا وريثة السوفيات؟.

هيمن بوتين على سياسة بلده كزعيم بلا منافس لمدة تصل إلى عقدين من الزمان تقريبا
هيمن بوتين على سياسة بلده كزعيم بلا منافس لمدة تصل إلى عقدين من الزمان تقريبا

الحقيقة أن هذا الأمر ينطبق على روسيا تماماً، فالتحوّلات الكبرى التي مسّت بنيان النظام الدولي والتغيّرات الداخلية فيها، أدّت إلى تغيير شكل صناعة القرار الروسي، فأصبح للمتغيّرات الاقتصادية والمجتمعية والخارجية دور كبير، حيث كانت روسيا ولا تزال تعتبر نفسها قوّة على الساحة الدولية وعليها العودة إلى الساحة العالمية مرة أخرى.

البداية جاءت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث استقلّت روسيا التي كانت تعاني من أزمات اقتصادية وضعفاً كبيراً في جبهتها الداخلية، ما اضطرتها أثناء حُكم يلتسين إلى التخلّي عن مكانتها كدولةٍ كبرى، حيث أصبحت روسيا في موقف الضعف والمُسايرة للغرب، ولذلك استغلّ الغرب الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها لمحاولة تطويقها، ومنع صعودها كدولةٍ كبرى.

الواقع أنّ روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي رفضت الاتجاهات الأيديولوجية كلها واتّبعت سياسة براغماتية. فروسيا من الناحية الاجتماعية والدينية تعدّ ليبيرالية فعلاً، لأن الروسي لا يتعامل مع الآخر انطلاقاً من انتمائه الديني أو القومي، وليست هناك أية حدود اجتماعية أو دينية لدى الروس في علاقاتهم مع الآخرين. ويلاحظ أن السياسة الخارجية الروسية اتّجهت شرقاً بعد رفض محاولاتها الالتحاق بالكتلة الأوروبية الغربية، وهي لا تسعى إلى تكتلٍ أو حلف جيوستراتيجي مناوئ للمنظومة الأورو- أطلنطية. لكنها تحاول من خلال الانضمام إلى تكتلات مثل منظمة معاهدة الأمن المشترك أو مجموعة «البريكس» تحجيمَ إمكانات المدّ الغربي على الأقل قرب حدودها الإمبراطورية التاريخية، لكن هذه المنظمات ضعيفة ولا تُعدّ مُنافساً حقيقياً لحلف الناتو.

ما بين (1998-2008) وفي كتاب أصدره الخبير الاقتصادي مروان إسكندر عام 2006، تحت عنوان «الدبّ ينقلب نمراً»، يشير المؤلّف إلى التحوّل الذي طرأ على روسيا عبر تعزيز مواقعها دولياً بواسطة رئيسها الاقتحامي فلاديمير بويتن. وقد تُرجِم الكتاب إلى اللغة الروسية بواسطة «الأكاديمية الثقافية». حيث حاول إسكندر أن يعالج قضية الاستبداد المُستنير "إرث روسيا السياسي والثقافي". وفيه استعرض أهم المراحل التي مرّت في روسيا وتعاقُب القادة العظام على حكمها، من بطرس الأكبر إلى الوقت الحالي، حيث تميّز هذا البلد بالآداب والفنون والإرث العظيم الذي أرسى الأسس التي انطلق منها هذا البلد. وفيه يُحلّل المؤلّف أزمة الشيوعية، والمغامرة السوفياتية في الدخول إلى أفغانستان، وحرب النجوم وإمبراطورية الشرّ، وإثارة القلق الأميركي، مشيراً إلى أنه لم ينجح غورباتشوف في أن يقنع الأميركيين بإعطائه المساعدات المالية والاقتصادية. وكذلك استقالته وصعود نجم بوريس يلتسين. وقد شهد غورباتشوف تفكّك الاتحاد السوفياتي أمام عينيه، ولكنه لم يقم بأعمال قمعية.

لقد هيمن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على سياسة بلده كزعيمٍ بلا منافس لمدة تصل إلى عقدين من الزمان تقريباً، شهدا الكثير من المتغيّرات في حياة الروس. وأشرف بوتين خلال ولايات حكمه كرئيس ورئيس للوزراء، على الازدهار الاقتصادي والتوسّع العسكري وإعادة تأسيس روسيا كقوّة عظمى، مشيراً إلى تحسّن مستويات المعيشة بالنسبة لمعظم المواطنين وإنعاش الإحساس بالاستقرار والفخر الوطني، لكن في المقابل تآكلت الديمقراطية.

يبقى أنه على رغم نجاحها العسكري في أوكرانيا، فإن روسيا ما زالت عُرضة لاقتصاص الولايات المتحدة وعقوباتها المتواصلة. وعلى عكس ما يتمنّى الكرملين، فإن انتصاراته العسكرية في سوريا لم تعزِّز فُرَص انتصاراته الدبلوماسية مع الدول الغربية. لذلك استمرت الحرب الباردة في خلق حال من التوتّر والعداء. هنا يبقي السؤال المتعلّق ببرنامج بوتين خلال السنوات الست المقبلة، وهل هو مُصمّم على الإمساك بمقاليد البلاد بعد عام 2024؟.

لقد حاول بوتين إعادة بناء الإمبراطورية الروسية من جديد من خلال عدّة إستراتيجيات جديدة منها عدم الدخول في مواجهات مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، والسعي إلى عالم مُتعدّد الأقطاب، وتكوين تحالفات إقليمية ودولية جديدة، فلم تعد تتّخذ القرارات لإثبات الوجود فقط بل لخدمة مصالحها ومن خلال الأحداث الإقليمية والعالمية التي إستأثرت باهتمام السياسة الروسية، حيث كانت الأزمة السورية والملف النووي الإيراني وأزمة القرم من الشواهد الملموسة.

نعم عادت روسيا من جديد إلى النظام الدولي لتكون واحدة من الفاعلين الدوليين فيه، عليه فروسيا ستكون دائماً دولة عظمى ولا يكمن الأمر هنا في الحنين إلى الماضي وإنما بالاستناد إلى مرحلة التفكير الواعي أن هذه العَظَمة لا تستند الآن إلى قدراتنا الإستراتيجية مقارنة بالولايات المتحدة فقط، بَيْد أن هذا ليس هو الكارت الوحيد الذي بحوزة بلادهم، خذوا مثلاً مساحة الأراضي والقدرة العلمية وثقافة الشعب وذلك الدور البارز الذي احتلته روسيا دائماً في المجال الروحي.

اليوم وعند النظر إلى روسيا، نجد إنها قد عادت من جديد إلى الساحة الدولية، وأصبحت فاعلاً قوياً ولها تأثير قوي في القضايا الدولية، ولعلّ حالات الدراسة التي ذُكِرت من قبل كانت دليلاً، وذلك لأنه من ناحية النظام السياسي الداخلي، فقد استقرّ النظام السياسي الروسي بدرجة كبيرة، ومن ناحية الإقتصاد استقرّ أيضاً الإقتصاد الروسي بدرجةٍ كبيرة، ومن ناحية القوّة العسكرية نجدها القوّة الثانية في العالم. كل هذا انعكس بصورةٍ كبيرةٍ على السياسة الخارجية الروسية، لذلك ظهر تأثير هذه السياسة في معظم القضايا الدولية، وبدأت العلاقات الروسية مع دول العالم تزداد وتعود من جديد، لذلك نجد أن السياسة الخارحية الروسية والتحرّك البلوماسي الروسي سعى إلى تحقيق أهداف روسيا.