ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

الاستراتيجية الأميركية الجديدة حُبلى بالمخاطر

ضمن ما سبق من معطيات، يبدو أن التغيّرات الاستراتيجية التي فرضتها نتائج الحرب على سوريا، ستكون مدعاة لتشكيل أحلاف جديدة، وهذا حقيقة ما جاء به وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للمنطقة، من أجل مواجهة النفوذ الإيراني.

هناك تحركات أميركية تهدف إلى البحث عن منافذ استراتيجية تُمكّنها من احتواء إيران وتقويض حركات المقاومة (الصورة لمايك بومبيو) (أ ف ب)
هناك تحركات أميركية تهدف إلى البحث عن منافذ استراتيجية تُمكّنها من احتواء إيران وتقويض حركات المقاومة (الصورة لمايك بومبيو) (أ ف ب)

المُتابع لتطوّرات الشأن السوري، يُدرك تماماً أن ضبابية السياسة الأميركية تجاه سوريا خاصة والشرق الأوسط عامة، باتت مشهداً تنطوي عليه مُجمل المتغيّرات سياسياً وعسكرياً، فالحرب على سوريا لا زالت مستمرة، وإن خبت عسكرياً، لكن بُعداً آخر للسياسة ، فاليوم باتت واشنطن أمام معادلة الانتصار السوري، وبات لزاماً عليها ضرب هذه المعادلة بشتّى الوسائل، لا سيما توجيه الزخم السياسي تجاه إيران، في محاولة لضرب بنيان محور المقاومة، على اعتبار أن الجمهورية الإسلامية، تُشكل داعماً حقيقياً لحركات المقاومة، لذلك، ستلجأ واشنطن إلى استراتيجية تحدّ فيها من تحرّكات إيران في سوريا، في موازاة استمرار الغارات الصهيونية على مواقع تابعة للجيش السوري، تحت ذريعة التواجد الإيراني.

الحاصل على الأرض لم يُسعف الأميركي، حيث أن الثقل الروسي بشقّيه السياسي والعسكري، حجّم وعبر الذكاء الروسي من المخطّطات الأميركية، فقد تمكّنت روسيا وعبر نُسخ أستانا إضافة إلى سوتشي، من بلورة مشهد سياسي مخالف لجنيف وأهواء صانعيه، هذه الالتفافة الروسية غيّرت من مشهد الحرب على سوريا، وشكّلت في مجملها انتصاراً لسوريا وحلفائها، فالأوراق التي كانت تشكّل ضغطاً على الدولة السورية وحلفائها، باتت جميعها بيد دمشق، من الجنوب السوري مروراً بدمشق ومحيطها ووصولاً إلى حلب، باتوا خارج سياق المعادلات الإقليمية الرامية لتقسيم سوريا،  وعليه فإن هذه المتغيّرات الجيوسياسية أجبرت ترامب على تغيير استراتيجيته في سوريا، على ألا يبتعد كثيراً عن محيطها، والمعروف أن القواعد الأميركية في دول الخليج العربي ما هي إلا مشهد ضاغط على الحلفاء  والأعداء على حدٍ سواء، وهذه القواعد لن تكون إلا مرتعاً لتنفيذ المخطّطات التي تشكّل في نتائجها تنفيذاً للاستراتيجية الأميركية في المنطقة.

ضمن ما سبق من معطيات، يبدو أن التغيّرات الاستراتيجية التي فرضتها نتائج الحرب على سوريا، ستكون مدعاة لتشكيل أحلاف جديدة، وهذا حقيقة ما جاء به وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للمنطقة، من أجل مواجهة النفوذ الإيراني، خاصة أن هناك مخاوف إسرائيلية لا تُعدّ ولا تُحصى، فالخوف المُتمثل بالداعم الأكبر لـحزب الله يؤرق الإسرائيلي، حيث يعتبر الكيان الصهيوني أن إيران تتّخذ من الحرب على سوريا ذريعة للتمدّد في الاقليم وإعادة التموضع بما يشكّل تهديداً للكيان، فضلاً عن أن إيران الداعم الرئيس لحركات المقاومة في فلسطين، إضافة إلى تقارير استخباراتية إسرائيلية تؤكّد بأن إيران وعبر حركات المقاومة العراقية باتت قادرة على استهداف إسرائيل من العراق، وهذا بحد ذاته بات هاجساً أميركياً إسرائيلياً لابد من تبديده، وهذا أيضاً ما يُفسّر التحرّكات الأميركية الأخيرة في العراق، فقد منعت عمليات الأنبار للحشد الشعبي العراقي، القوات الأميركية من استطلاع مريب للقطعات الأمنية ضمن حدود مسؤوليتها، وقد أكّد قائد العمليات قاسم مصلح، إن "الاستفزازات الأميركية وصلت لكشف معلومات سرّية لقواتنا المرابطة على الحدود"، مبيناً أن "القوات الأميركية تعمل على أخذ معلومات دقيقة وحسّاسة من القوات الأمنية المرابطة على الحدود العراقية السورية"، وأضاف مصلح إن "قيادة عمليات الأنبار للحشد منعت القوات الأميركية من إكمال الاستطلاع مما اضطرها الرجوع إلى قاعدة بئر المراسمة وعدم اقترابهم من قاطع الحشد الشعبي"، لافتاً إلى أن "هذا الاستطلاع يُعتبر انتهاكاً للسيادة الوطنية العراقية".

بالتالي من الواضح أن هناك تحرّكات أميركية تسعى عبرها إلى البحث عن منافذ استراتيجية تُمكّنها من احتواء إيران وتقويض حركات المقاومة، وعلى ما يبدو أن أميركا تتخذ من العراق منطلقاً لاستكمال مخطّطها الذي لم ينجح في سوريا، وما ادّعاءاتها بسحب قواتها من سوريا إلا للتمويه عن مرحلة معقّدة ستشهدها الساحة الدولية، وخصوصاً تجاه إيران، ولعلّ تصريحات بومبيو الأخيرة تؤكّد أن هناك نَسجاً لخيوط مؤامرة جديدة ضد إيران، وبهذا يتم الحشد حتى الوصول إلى قمّة وارسو يومي 13 و14 شباط القادم، فكل التحرّكات الأميركية والتحشيد الإقليمي ورصّ الصفوف للأدوات الأميركية، يشي بأن القادم من الأيام سيشهد توتّرات متزايدة.