نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

عن مشروع السكك الحديدية بين إيران ودول المنطقة

أخبار جرى تداولها عام 2013، عن إعلان المدير العام لشركة سكك الحديد الإيرانية، أن إنشاء خط سكك حديد (كرمانشاه- خسروي- خانقين- بغداد) يربط إيران بالعراق ومنه إلی سوریا عبر مدینة اللاذقیة والدول المطلة علی المتوسط.

المصادر الإيرانيّة: السكّة هي جزء إعادة الإعمار لسوريا
المصادر الإيرانيّة: السكّة هي جزء إعادة الإعمار لسوريا

كذلك كثيراً ما سمعنا عن المشروع العراقي "القناة الجافة" لربط موانئ الخليج العربي بقلب أوروبا، وإن كان على التوازي جاءت التحركات للحصول على ربط سككي بهذه القناة من إيران. وفعلاً تمت الموافقة قبل أكثر من ثلاث سنوات على منح إيران حق الربط، إضافة إلى موافقة حكومة بغداد على منح الكويت أيضاً ربطاً سككياً بالقناة.

قبل نهاية العام الماضي جاء الإستعداد الإيراني بالاتفاق مع العراق وسوريا لمدّ سكّة حديد تربط الدول الثلاث. حيث أوعز الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بمدّ سكّة حديد من منفذ الشلامجة الحدوديّ إلى مدينة البصرة في العراق. فمدّ سكّة الحديد تستكمل الخطّ السككيّ بين إيران والمتوسّط، هذا ما أعلنته إيران وسوريا في 14 آب/ أغسطس من عام 2018 عن عزمهما مدّ سكّة حديد بين البلدين بمشاركة العراق لمواجهة العقوبات الغربيّة وتعزيز التعاون الاقتصاديّ، حيث تمتدّ من مدينة الشلامجة جنوب إيران إلى ميناء البصرة العراقيّ، ثمّ إلى الأراضي السوريّة.

تتحدّث المصادر الإيرانيّة عن أنّ السكّة هي جزء إعادة الإعمار لسوريا، كما أنّها مساهمة في قطاع النقل تسهّل السياحة الدينيّة بين إيران والعراق وسوريا، فإنّ أطرافاً سوريّة معارضة عدّتها تكريساً لنفوذ إيران وتعزيزاً لخدمات لوجستيّة مهمّة لوجودها في العراق وسوريا. كذلك فالمشروع نال موافقة منظّمة التنمية الاقتصاديّة لمنطقة آسيا والمحيط الهادىء(APEC) .

قد يكون العراق متحمّساً لأيّ مشروع يعزّز عمليّات النقل العابرة للحدود دعماً لاقتصاده وتسهيلاً لسفر مواطنيه بين الدول، وعليه فمشروع سكّة الحديد على خطّ إيران، سوريا والعراق، سوف يوفّر نافذة للعراق عبر موانئ البحر المتوسّط من جهة، وعبر المنافذ البحريّة الإيرانيّة من جهة أخرى. وحيث أنّ الأمر الذي يعزّز من حماس إيران إلى مشروع السكّة، نيّتها إنشاء موانئ على سواحل سوريا، وعن جانب الحماس السوريّ للمشروع، سبق لوزير النقل السوريّ علي حمّود أن أكّد في 10 نيسان/ إبريل 2018 أهميّة إعادة تفعيل النقل البريّ مع العراق لما لها من أهميّة في التواصل مع إيران، فيما قالت وزارة النقل السوريّة "إنّ السكّة هي جزء من برنامج إعادة البنية التحتيّة التي دمّرتها الحرب، والتي تسبّبت أيضاً في تدمير نحو 1800 كم من شبكة السكك السوريّة التي يمتدّ جزء كبير منها إلى الدول المجاورة".

على الجانب السوري توجد مزايا، فقد يكون المشروع في جزئه السوريّ يتضمّن إنشاء 32 كيلومتراً من سكك الحديد، فيما الباقي ينشئه العراق في عمق أراضيه لربط كلّ من بغداد بكربلاء، ثم كربلاء بالأراضي السوريّة، الأمر الذي يسهّل تنقّل الأفراد وشحن البضائع بين إيران والعراق إلى سوريا، وبالعكس.

وزارة النقل العراقية أهّلت خطّ السكّة باتّجاه سوريا بعد تضرّره من الحرب، والذي يمتدّ على مسافة 121 كيلومتراً في جزئه في شمال البلاد بين مدن (تكريت والموصل والفلّوجة- أبو غريب)، وهو الخط الذي يرتبط بجنوب البلاد أيضاً ويؤدّي إلى سوريا. فهذا الخطّ هو جزء من الربط السككيّ الإقليميّ الذي يتضمّن مدّ خطوط السكك باتّجاه إيران، لا سيّما خطّ سكّة حديد (البصرة- الشلامجة)، وخطّ سكّة حديد (مسيب- كربلاء)، على ضوء تنسيق مشترك بين الجانبين العراقيّ والإيرانيّ. وفي الخطط المستقبليّة، فإنّ السكك سوف تمتدّ من العراق إلى إيران وسوريا والأردن والخليج العربيّ عن طريق الكويت.

بعض خبراء العراق وجدو بعداً حيوياً في مشروع السكّة، بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النوويّ، الأمر الذي يدفع بإيران إلى العمل بسرعة على مدّ سكّة حديد باتّجاه العراق وسوريا، لأنّها ترى في المشروع منفذاً اقتصاديّاً وتجاريّاً لها باتّجاه سوريا. فضلاً عن أنّه يساهم في تعزيز السياحة الدينيّة، حيث تشترك الدول الثلاث في كثرة المعالم الدينيّة الشيعيّة بصورة خاصّة. وعليه فالمردود الاقتصاديّ للمشروع سوف يتأثر كثيراً بالعقوبات، وسيقتصر دوره على ما تسمح به العقوبات الأميركيّة على إيران.

هو الربط السككيّ لدول ثلاث في منطقة تعاني من ويلات الحروب ونشاط الجماعات المسلّحة، التي قطّعت أوصال الحركة التجاريّة بينها، ليكون مشروعاً جريئاً ومفيداً ما لم يصطدم بعراقيل المواقف السياسيّة. يبقى هنا أنه قد تكون هناك خطط ومساعي من طهران لإيصال بضائعها لحوض المتوسط عبر العراق وسوريا وموانئ لبنان، وهي مشاريع اتفقت عليها الحكومات كما أسلفنا، وبدأ تنفيذها بعد تحرير كامل الأراضي العراقية.

عليه فأهمية مشروع الربط السككي لا تكمن فقط في تسهيل نقل المسافرين والبضائع بين البلدين، وإنما لأنه يستهدف ربط العراق بالكثير من الدول، ليعدّ امتداداً لطريق الحرير القديم، الذي كان يربط على مدى أزمنة طويلة شرق آسيا بغربها، ويمر بالكثير من الدول الآسيوية منها العراق وإيران والصين، فهل يُكتب له أن يرى النور؟.