غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

العدوان الإسرائيلي على سوريا وعملية "داعش" في الشمال

يستطيع المتابع للشؤون الداخلية في إسرائيل أن يستنتج الأسباب التي من الممكن أن تكون قد دفعت برئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" للقيام بغارات متكرّرة على أهداف في الجنوب السوري. فربّما هي تِهَم الفساد التي تلاحقه، وربّما هي الهدنة بعد المواجهة المذلّة مع المقاومة الفلسطينية في غزّة، أو الانتخابات التي تمّ تقديم موعدها والتي يحاول "نتنياهو" قبلها أن يظهر بمظهر الرجل الأقدر على حماية أمن إسرائيل.

العدوان الإسرائيلي على سوريا وعملية "داعش" في الشمال
العدوان الإسرائيلي على سوريا وعملية "داعش" في الشمال

الغارات الأخيرة التي وقعت صباح يوم الإثنين 21 كانون الثاني / يناير كانت مُلفتة، ليس فقط بسبب المساحات الجغرافية الواسعة التي شملتها أو بسبب أعداد الصواريخ والطائرات المشاركة فيها، بل بما رافقها من تحرّكات عسكرية برّية مثيرة للريبة ضمن أراضي الجولان السوري المحتل، الشيء الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ إسرائيل كانت تحاول التلميح بهجوم جوّي وبري مُرتقب، يستدرج سوريا إلى ردٍ يشعل المنطقة ولو بشكل محدود.

وتزامناً مع هذا العدوان الإسرائيلي غير الاعتيادي في الجنوب السوري، برزت أحداث أخرى غير اعتيادية في الشمال، تجلّت في التفجيرات التي قُتل وجُرح فيها عدد من الجنود الأميركيين، ليخرج تنظيم "داعش" الإرهابي فوراً بعد هذه التفجيرات ويعلن مسؤوليته عنها، وبالطبع فإنّ هذا الإعلان يضعنا أمام سؤالين كبيرين، وتمهيداً لهذين السؤالين نُذكّر بأنّ هذا التنظيم لم يقم على الإطلاق بتنفيذ أيّ اعتداء على القوات الأميركية، ولم يهدّد مصالحها حتى عندما كان في ذروة قوّته، بل كانت كلّ المؤشّرات والدلائل تشير إلى تنسيق بين الطرفين والأمثلة كثيرة، كالقصف الأميركي على جبل الثردة المتاخم لمطار دير الزور تمهيداً لهجوم تنظيم "داعش" عليه، كذلك تسلّل التنظيم في عمق الصحراء ليصل مرتين إلى مدينة تدمر وتحت مراقبة العيون الأميركية التي لم تعترض هذا التوغّل، وهنا يأتي السؤال الكبير الأول: هل تنظيم "داعش" هو مَن قام بتنفيذ هذه التفجيرات ضد القوات الأميركية فعلاً؟ ولماذا أتت هذه التفجيرات بعد أن حسم الرئيس الأميركي قراره بالانسحاب، وبعد فشل كافة الضغوطات داخل الإدارة الأميركية؟.

هذه الأسئلة تضعنا أمام تصوّر يلامس اليقين بأنّ اليد التي عبثت في شمال سوريا هي نفسها التي عبثت في جنوبها، لتوتير الأوضاع ولجرّ سوريا ومَن معها لردّ تليه مواجهة عسكرية محدودة، وهذان التطوّران يستطيع الطرف الأميركي المعارض للانسحاب أن يضعهما في وجه رئيسه بذريعة أنّ الخطرين اللذين تدخلت الولايات المتحدة في سوريا لمحاربتهما مازالا قائمين، فتنظيم "داعش" بقي قوياً لدرجة أنّه يستطيع مهاجمة القوات الأميركية، وما زالت إسرائيل تعاني من أزمة مصير بسبب الوجود الإيراني ووجود حزب الله على حدودها الشمالية مع سوريا. وهذا يقودنا إلى استنتاج مفاده أنّ اليد التي عبثت في الشمال والجنوب السوريين واحدة، وهي لأحد الأطراف القويّة داخل الإدارة الأميركية، والذي يضع ضمن أولى أولوياته حماية إسرائيل وأمنها، وقد يكون هذا الطرف هو وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي أي" التي تُعتبر الطرف الأقدر على تجنيد مَن ينفّذ مثل هذه العمليات، والتي فشلت مع بقيّة الأطراف - بما فيها الطرف الإسرائيلي - في كل ما كانوا يراهنون على  تحقيقه في سوريا، وصار الآن همّهم الأكبر هو إطالة أمد هذه الحرب لتوفير ظروف أفضل تخدم الأمن الإسرائيلي.

بكلّ الأحوال فلكلّ طرف طريقته وظروفه وقواعده في إدارة الحرب، ولابد من أن سوريا ومَن معها يدركون تماماً أبعاد اللعبة ويعرفون أن الحكمة تقضي بعدم الانجرار إلى معركة حدّد العدو زمانها ومكانها، ولذلك تعمّدوا أن يتجنّبوا هذه المواجهة مؤقتاً ريثما تتوافر ظروف خوضها بشكل فعّال.