أنطوان شاربنتييه

باحث سياسي

مؤتمر وارسو حلف ميّت بالولادة

ما برح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن أعلن عن عقد مؤتمر وارسو في 12-13شباط المقبل، تحت عنوان الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، حتى خرج العديد من المحلّلين، والمنجّمين والعالمين بالغيب، لإعطائنا قراءة عن هذا المؤتمر تخدم مصالح الأميركي واستراتيجيته الجديدة التي يحاول أن يؤسّسها في منطقة الشرق الأوسط. إحدى أهم نقاط هذه الاستراتيجية هي إعادة التموضع الأميركي، من خلال العداء التام لإيران ومحور المقاومة الذي تنتمي إليه. أما بالنسبة للأهداف الأخرى، فمنها تمرير صفقة القرن و تصفية القضية الفلسطينية، ما يعني بالوقت عينه تصفية كاملة وشاملة للنهج والفكر والحسّ المقاوِم في منطقة الشرق الأوسط.

ولِدَ مؤتمر وارسو ميتاً وهو لن يعطي أية نتيجة مُجدية تجاه إيران وحلف المقاومة. لا بل قد يؤجّج المؤتمر المزعوم الصراع ما بين الغربيين من أوروبيين وأميركيين، ما قد يضعضع أكثر وأكثر الحلف الواحد، وهذا الشيء قد يخدم إيجاباً إيران وحلفائها. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية عدم مشاركتها رسمياً في مؤتمر وارسو لعدّة اعتبارات، ومنها أن الاتحاد الأوروبي يحاول جاهداً الحفاظ على علاقة شبه طبيعية مع إيران، وبالوقت عينه يحاول أن يُعطي انطباعاً على أنه يقف في وجه الولايات المتحدة الأميركية، في ما يخصّ الملف الإيراني.
لا يريد الاتحاد الأوروبي التخلّي عن الإتفاق النووي الإيراني، وعن علاقته مع إيران من أجل السوق التجارية، النفط والغاز. لكن أيضاً من أجل إعمار سوريا، وإعادة مكانة أوروبا في الشرق الأوسط، من بعد الحروب الشعواء التي شارك بها عدد لا بأس به من دول أعضاء الاتحاد الأوروبي. يعرف أيضاً أعضاء الاتحاد المذكور تمام المعرفة أن في حال سقط الإتفاق النووي مع إيران، فهذا يشكّل خطراً كبيراً، كهجمة عسكرية على سبيل المثال من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها كإسرائيل و بعض الدول العربية، على إيران، ما يزيد الخوف عند الأوروبيين، لأنهم يَعون، أن ترامب سيحارب بهم تحت راية الحلف الأطلسي.
من هذا المنطلق ممكن أن تكون المشاركة الأوروبية، فرديّة، لكن في آخر المطاف وإن حصل مؤتمر وارسو، فلا يستطيع الأوروبيون تجاهل الحدَث بشكل كامل وخصوصاً أنه يُنظّم على أراضيهم، وفي دولة بولندا التي هي في آن واحد عضو بالاتحاد الأوروبي وفي حلف الناتو.
يجب التنويه أن بولندا هي من أكثر بلدان أوروبا الشرقية المُهَيمن عليها من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية، والتي تكنّ بالوقت عينه عداء لروسيا على قاعدة الخوف من هذه الأخيرة، الأمر الذي فيه الكثير من المُبالغة، والكثير من الوَهْم، في ظلّ التحوّلات الكبرى التي آلت إليها العلاقات الدولية. من هذا المنطلق يأتي مؤتمر وارسو كمحاولة من أميركا لشقّ الخط الأوروبي، وضرب ما تبقّى من الوحدة ألاوروبية. لكن اختيار مدينة وارسو هو أيضاً رسالة موجّهة إلى روسيا، التي هي ليست في حلف المقاومة، لكنها على علاقة ممتازة مع الدول التي تكوّنه.
أحد أهداف مؤتمر وارسو، هو سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى خلق حلف ناتو عربي موسّع، قد يمنحها فرصة الخروج من حلف الناتو الحالي، الذي يعيش آخر أيامه، خصوصاً اذا أخذنا بعين الاعتبار نيّة أوروبا بتأسيس جيش أوروبي موحّد. لكن إنْ حصل هذا الشيء، فستكون هناك صِدامات و حروب عنيفة في الشرق الأوسط والعالم.
كيف ينجح مؤتمر وارسو بخلق هذا النوع من الحلف الجديد الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية، وله في المرصاد حلف المقاومة، الذي تميل له الدفّة في هذه الأيام، أكثر من أيّ وقت مضى؟
يجب التنويه أيضاً، أنه في ظلّ التأزّم الفادِح الذي تُعاني منه في أيامنا الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جرّاء خسائرهم في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا، لن يخرج مؤتمر وارسو بالنتيجة المرجوّة، ولن يكون إلا مجرّد فقاقيع كلامية، ومحاولة شدّ عَصَب الرأي العام الداخلي في أميركا، وإسرائيل، وبعض الدول العربية.
لكن بدأت المناورات واللعب على الكلام في ظلّ إرتفاع لهجة الخطاب السياسي من قِبَل إيران وروسيا وعدّة دول حول مؤتمر وارسو، لتخرج "الغارديان" بمقالٍ حول تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن عَقْد المؤتمر المزعوم لتأسيس حلف ضد إيران، بل لإيجاد حلول لمشاكل وأزمات الشرق الأوسط. هنا يكمن النفاق السياسي الأميركي، والصهيوني معاً، لأنهم يعلمون تماماً أن وجودهم في المنطقة، وأطماعهم فيها هو سبب كل هذه الأزمات والحروب.
هدف كل هذه المناورات واللعب على الكلام هو إعطاء ذريعة للأوربيين للمشاركة في مؤتمر وارسو، من دون خلق مشاكل جديدة لهم مع إيران، والحلف الذي تنتمي إليه، وكذلك الأمر مع روسيا والصين.