نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

قمّة وارسو بين المقاطعة والمُمانعة الأوروبية

سيظل يتكرّر مُصطلح "الصيف الساخِن" على لسان المُحلّلين الإيرانيين وحتى بعض النواب والمسؤولين، منذ أن صرّح المُرشد الإيراني علي خامنئي، في خطاب له الشهر الماضي، أن أميركا كانت تجهّز لـ"صيف ساخِن" في إيران.

المرشد خامنئي قال إن أميركا كانت تجهّز لـ"صيف ساخِن" في إيران
المرشد خامنئي قال إن أميركا كانت تجهّز لـ"صيف ساخِن" في إيران

هي المحاور الأربعة التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية والتي ستتم مناقشتها خلال "الاجتماع الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط"، والذي عرُف تحت عنوان "قمّة وارسو" يومي 13 و14 فبراير/ شباط الجاري. ذلك نحو مناقشة مواضيع (الأزمات الإقليمية وآثارها على المدنيين في الشرق الأوسط، وتطوير الصواريخ وانتشارها، والأمن السيبراني والتهديدات الناشئة لقطاع الطاقة، ومكافحة التطرّف والتمويل غير المشروع له).

على الرغم من عدم ذِكر إسم إيران في البرنامج المُعلن، غير أن مراقبين يرون أنه من الواضح أن المحاور الأربعة ستركّز بشكل مباشر حول إيران ودورها في المنطقة وبرنامجها الصاروخي، فضلاً عن طموحاتها النووية. ولا تزال ردود الأفعال في طهران تتوالى ضد بولندا بسبب تنظيم هذا المؤتمر الذي يراه مسؤولون إيرانيون أنه يشكّل خطراً عليهم، نظراً لتشديد العزلة الدولية عليه، في ظلّ سعي الأميركي لحشد تحالف دولي يُحدّد وضع إيران في المنطقة.

هنا أوروبا واتحادها جاءت سريعاً على الخط، فقد أعلنت لندن أن وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، وافق على حضور القمّة، وهو أول مسؤول أوروبي رفيع يُعلن حضوره في هذا الاجتماع، وإنْ لم يشارك الاتحاد الأوروبي مخاوف واشنطن بشأن العديد من جوانب النشاط الإيراني، وكان على خلاف مع إدارة ترامب بشأن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وفرض عقوبات أميركية على أية شركات تسعى إلى التجارة مع إيران أو شراء صادراتها النفطية.

"سنجمع عشرات الدول من جميع أنحاء العالم"، حيث "ستجتمع الدول جميعاً للتركيز على الاستقرار والسلام والحرية والأمن فى الشرق الأوسط، وهذا يشمل عنصراً مهماً وهو التأكيد على ألا يكون لإيران نفوذ مُزعزِع للاستقرار"، هو بعض ما صرّح بومبيو من القاهرة. ويُعدّ هذا الإعلان أحدث خطوة في سعي إدارة ترامب لما تسمّيه (حملة ضغط) ضد إيران، تتضمّن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وتشديد العقوبات عليها سعياً لعزلها.

رغم كل المساعي السالِفة لبومبيو عبر عواصم الشرق الأوسط إلا أن "الأوروبيين لن يشاركوا بسبب اختيار واشنطن وارسو مكاناً لانعقاد القمّة كمحاولة لشقّ الصف الأوروبي" وحيث أن "المشاركين في آخر الاجتماعات المُناهضة لإيران إما ماتوا أو فُضحوا أو همّشوا، والحكومة البولندية غير قادرة على إزالة وصمة العار هذه، فبينما إيران هي التي أنقذت البولنديين في الحرب العالمية الثانية، باتت بصدَد استضافة مسرحية يائسة لمُناهضي إيران". هكذا علّقت إيران على القمّة على لسان محمد جواد ظريف.

هي الولايات المتحدة تلبث ثوباً جديداً في منطقة الشرق الأوسط وإن لم يكن غير واضح المعالم، ويُعتبَر الخطاب الذي ألقاه بومبيو في القاهرة بعد ظهر يوم 10 كانون الثاني/ يناير بمثابة بيان شامل للاتجاه المستقبلي لسياسة الحكومة الأميركية في الشرق الأوسط. وتبقى الزيارة تظهر أن موقف الحكومة الأميركية الحالي بشأن القضايا العملية الإقليمية أقل وضوحاً من موقف الحكومات السابقة. وقد تندرج البلدان التي زارها بومبيو خلال هذه الجولة في "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي".

نعم محمد جواد ظريف سَخِر من القمّة واصفاً إياها بـ"السيرك"، موضحاً أن "هذه القمّة ليست مزحة وتأتي في إطار خطّة "الصيف الساخِن" التي تحدّث عنها المُتشدّدون الأميركيون". فهدف هذا التجمّع إبلاغ العالم بالتحرّكات العدائية التي تريد الولايات المتحدة القيام بها، مع عرقلة القناة المالية الأوروبية، وهنا انتقد رئيس مجلس العلاقات الخارجية الإيرانية، كمال خرازي، ما وصفه بـ "التأخّر المُتكرّر" للاتحاد الأوروبي في تفعيل القناة المالية الخاصة للتعامل مع إيران، المعروفة بإسم (SPV). وربط خرازي هذه العرقلة بالقمّة المُرتقَبة في وارسو، وقال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا" إن "هدف ترامب، لا يكمن فقط في الضغط على إيران بل إنه يسعى إلى إضعاف وتقسيم أوروبا، كما أن التحرّك الأميركي لعقد اجتماع مُعادٍ لإيران في بولندا يتماشى أيضاً مع تكثيف الخلاف بين الدول الأوروبية".

الحقيقة أن تهديد أوروبا ووفقاً لوكالة "إرنا"، فقد أشار خرازي  خلال لقائه وفداً من المؤسّسة الإيطالية للشؤون الدولية (IAI)، إلى أن ما وصفه "رضوخ أوروبا لضغوط أميركا في هذه المرحلة سيضع المزيد من الضغط الأميركي على أوروبا في المستقبل، وسيفشل الاتفاق النووي ويتعرّض الأمن في أوروبا للخطر". ويأتي تلويح خرازي بتعرّض أمن أوروبا للخطر، في وقتٍ فرض فيه الاتحاد الأوروبي عقوبات على طهران لأول مرة منذ الاتفاق النووي عام 2015.

ردود الفعل الإيرانية تتوالى، فقد سبق وأعلنت إلغاء أسبوع السينما البولندية الذي كان من المقرّر عقده الشهر المقبل في عدّة مدن إيرانية. وصعّد بعض المسؤولين الإيرانيين، مثل المُتحدّث بإسم الخارجية، بهرام قاسمي، وحسن فيروز آبادي المستشار العسكري للمرشد خامنئي، لغة التهديد، حيث قال قاسمي عن "ردّة فعل عنيفة تجاه بولندا من دون أي استرضاء أو اعتبار". بولندا قاعدة للناتو وكان عباس علي كدخدائي، المُتحدّث بإسم مجلس صيانة الدستور، اعتبر أن "ترامب يريد أن يحوّل بولندا إلى قاعدة مهمة للناتو يُطلق عليها حصن ترامب". حيث "هناك عقد بقيمة 4.7 مليارات دولار لشراء منظومة دفاعية "باتريوت" بين بولندا وأميركا"، مضيفاً أن "بولندا تريد أيضاً استبدال شراء الغاز الطبيعي من أميركا بدلاً من الغاز الروسي بدءاً من عام 2022".

سيظل يتكرّر مُصطلح "الصيف الساخِن" على لسان المُحلّلين الإيرانيين وحتى بعض النواب والمسؤولين، منذ أن صرّح المُرشد الإيراني علي خامنئي، في خطاب له الشهر الماضي، أن أميركا كانت تجهّز لـ"صيف ساخِن" في إيران. وزعم خامنئي أن إيران تمكّنت من التغلّب على هذا المشروع الأميركي الذي يهدف إلى تغيير النظام في إيران، لكنه حذّر الشعب والموالين للنظام من تكرار هذا المُخطّط خلال الصيف القادم. ويربط خامنئي وكبار مسؤولي النظام، الاحتجاجات الشعبية المُتفرّقة والمُستمرّة بأشكالٍ مختلفةٍ والإضرابات العمالية وزيادة وتيرة نزول مختلف شرائح الشعب الإيراني إلى الشوارع للاحتجاج على سياسات النظام، بما يصفونها بـ"المؤامرة الخارجية". فهل يأتي هذا الصيف أمْ يتم تأجيله لجولاتٍ قادمةٍ كغيره؟.