عبد الله خليفة

كاتب لبناني

ثقة الحكومة اللبنانية

هذه الحكومة كما يعرف الذين يقرأون الداخل اللبناني جيداً ليست تشبه مثيلاتها من قبل لا من حيث الجوهر أو التنسيق بل من حيث واقع الحال اللبنانية الشعبية القائمة اليوم، لهذا يصحّ عليها كونها آخر الفُرص أمام الأحزاب الحاكمة، بل هي آخر محاولات النظام اللبناني مجتمعاً لإثبات نفسه أمام شعبه وآخر حكومات ما قبل التغيير الحقيقي، فإن الصدع الذي في الاقتصاد محتمل التصليح أما الصدع الذي يصيب تركيبة النظام فإنه تصعب معالجته بل تستحيل.

لبنان متعدّد الأوجه الثقافية والدينية يحمل منذ انفتاحه على العالم علّة الانقسام الداخلي
لبنان متعدّد الأوجه الثقافية والدينية يحمل منذ انفتاحه على العالم علّة الانقسام الداخلي

في الحاديةَ عشرة مساءً نالت الحكومة الثقة، لعلّ التوقيت في ذاته لا يوحي إلى شيء كما يوحي بعزم جديد منقطع النظير لدى الطبقة الممسكة بالحكم على المُضي قُدُماً في قيادة الأمّة نحو واقع متغيّر وأفضل، فلبنان الصغير ضاقت به مشاكله السياسية والاقتصادية حتى وصلت إلى أبواب الجميع أينما تَمَوضعوا في طبقات المجتمع اللبناني الحديث، البرجوازيون مُنتَهِزو الفرص أو العالِقون في دائرة الوسط أو المناضلون في طبقة الكفاح الشعبي وهم السواد الأعظم من الشعب اللبناني المقيم والمُنتشر.

ثقة بملء فم مئة وأحدَ عشر نائباً كان أكثرهم ممَّن حاضرَ بثقلٍ على منبر مجلس النواب بِعلل وهموم وشجون وتطلّعات الناس الذين كلَّفوهم نقل آرائهم إلى دوائر الحكم ، لبنان جديد بحكومة جديدة تكليف محلي بحت، توزيع حقائب بقرار محلي ورئيس جمهورية يكتب بسيرته وجهاً مختلفاً لبلد مُثقَل بالملفات المتراكمة حكومةً تلو أخرى وبرلمان بعد آخر.

ربما كان لبنان بحاجة إلى أن ترفع الدول يدها عن قراره الداخلي فحسب ، فالوعي بأن التراب اللبناني هو الملجأ الأخير والوطن النهائي كان يتسرّب إلى العقول والقلوب في تجربة تحالفات جديدة بدأت تظهر مع كل محطة حقيقة يمر فيها لبنان، ليست السين سين هي الحل بل الحاء تاء أو تفاهم حزب الله والتيار الوطني الحر ليس الطائف وليست الدوحة هي مكان اجتماع اللبنانيين بل طاولات الحوار ومراكز انعقاد الجلسات الوطنية.
لبنان متعدّد الأوجه الثقافية والدينية يحمل منذ انفتاحه على العالم علّة الانقسام الداخلي لا على مشاريع تنموية بل على إنتماءات الهوى العالمي والولاء الديني بين الكعبة والمقام والفاتيكان صار كل تفصيل داخلي ثانوياً يحتمل التأجيل وكل حرب داخلية ضرورية لا تحتمل التأجيل.
محاطون بدولتين إحداهما عدوّة والأخرى صديقة قد يتراءى للبعض أن اكتشاف العدو بينهما من الصديق من البديهيات ولكن ليس في لبنان ، وتواجد الجيشين على الأراضي اللبنانية لم يكن يوماً ليكون متفقاً عليه في مَن كان جيش إحتلال ومن يكون الجيش الصديق ، أما اليوم فالأمور لم تعد كذلك فكل من الجيشين الصديق والمحتل غادر لبنان والدول العالمية شغلتها الحرب في سوريا عن تفاصيل لبنان ، فلم تعد تستثمر تدخّلاتها  بتفاصيل صغيرة تعرقل الحياة السياسية ، فحكومة لبنان اليوم حكومة لبنانية بامتياز ميثاقية بكل تأكيد ممثّلة للأغلبية النبيابة وللأقلية في آن كلٌّ بحسب حجمه ، متفقٌ عليها بين الأقطاب تسمّي نفسها حكومة عمل ، هي تحت مجهر الشعب ونجاحها أو فشلها له التأثير الكبير في رأي الجماهير التي كانت بالأمس تعلن في صناديق الإقتراع عن إنتفاضة صامتة وعن امتعاضٍ كبير من كيفية إدارة البلد.

كَتَبَتْ أحدى الصحف أنّ الحكومة بِوقوفها أمام مجلس النواب لتنال الثقة إنما تقف أمام المرآة وقد يكون الأمر كذلك ، إذ أن القاضي هو المتّهم والجاني هو المُدَّعي أما المُدَّعى عليه شبح  الفساد الذي يبدو كأنه يهرب بطريقة بوليسية شيّقة في كل مرة ولا يترك أثراً  يدل عليه.

أو ربما هي الثقافة الراسخة في أدبياتنا كشعب يُبقي بعض العناوين قيد التكتّم أو يشير إليها بتعبير آخر كما نشير لمرض السرطان ."البعيد من هون "ب  
أو ربما الفساد شيء والمفسدون شيء آخر مختلف تماماً ، فالفِعل منفصل عن صاحبه للضرورات الطائفية لا الدينية ، فالدين منذ نزوله من السماء إلى الأرض ينادي بالإصلاح ، أما الطائفيون فمنذ صعودهم من باطن الأرض إلى سطحها يبرّرون الفساد بكل غاياته ، المفسدون الذين لا يملكون أسماء أو عناوين أو بصمات يد أو حتى آثار أعقاب السجائر في مسرح الجريمة. وبالتالي فإنها حكومة حملت على نفسها الكثير وحمّلت بيانها وعودَاً كبيرة لكنها ليست كبيرة بحجم الوطن فلبنان يستحق الحرية ويَليق به النظام العادل والتضحيات التي يقدّمها شعبه.

هذه الحكومة كما يعرف الذين يقرأون الداخل اللبناني جيداً ليست تشبه مثيلاتها من قبل لا من حيث الجوهر أو التنسيق بل من حيث واقع الحال اللبنانية الشعبية القائمة اليوم، لهذا يصحّ عليها كونها آخر الفُرص أمام الأحزاب الحاكمة، بل هي آخر محاولات النظام اللبناني مجتمعاً لإثبات نفسه أمام شعبه وآخر حكومات ما قبل التغيير الحقيقي، فإن الصدع الذي في الاقتصاد محتمل التصليح أما الصدع الذي يصيب تركيبة النظام فإنه تصعب معالجته بل تستحيل.

قيل يوماً أنَّ كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها، رُبّما، أما بالديمقراطية التوافقية فكل شعب ينال حكومة فقط، متَّفق عليها، والثقة المعطاة اليوم هي في الحقيقة للنظام وليست للحكومة للأحزاب وليس لمُمثليها للأمل بالتغيير وليس للمشاريع، لذلك قد تكون الحكومة قد حازت  من البرلمان الثقة ، وهذا الأمر كان بديهياً ومؤكداً  ولا مفرّ منه لكنها في الحقيقة  كانت تصويتاً  على النظام وقد يكون  بالنسبة إليه  آخر ثقة!.