عبّاس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

إبن سلمان يحاول إنعاش «كوينسي»: الاستثمارات بديلاً للنفط!

تتغيّر أسس العلاقة الطردية بين المملكة السعودية والولايات المتحدة الأميركية، وفق تغيّر حاجات الأخيرة. لكنّ الثابت، هو حاجة العائلة الحاكِمة في الرياض دائماً، إلى حماية البيت الأبيض لها. تلك القاعدة، التي تحكم العلاقة بين الطرفين، وضع مسارها الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، في أول لقاءٍ له مع رئيسٍ أميركي، فيما يحاول حفيده الآن، إعطاءها عوامل بقاء مختلفة، عن تلك التي أرساها الجدّ المؤسّس.

إبن سلمان يحاول إنعاش «كوينسي»: الاستثمارات بديلاً للنفط!
إبن سلمان يحاول إنعاش «كوينسي»: الاستثمارات بديلاً للنفط!

روزفلت لـ عبد العزيز: النفط مقابل الحماية

مع إنقضاء 14 شباط، يكون قد مرّ 74 عاماً على «اتفاقية كوينسي»، التي تم إبرامها عام 1945 بين الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأميركي آنذاك فرانكلين روزفلت. اللقاء بين الرجلين عُقِدَ في البحيرات المرّة في قناة السويس في مصر، على متن الطرّاد الأميركي «يو أس أس كوينسي»، في طريق عودة روزفلت من مؤتمر يالطا الذي عقده «الحلفاء» لمناقشة نتائج الحرب العالمية الثانية، وتقسيمات ما بعد هزيمة النازيين. ينصّ الاتفاق على بنود عديدة أهمها، أن «الولايات المتحدة الأميركية تضمن استقرار السعودية وتعتبره جزءاً من مصالحها الحيوية». بالمقابل «تضمن المملكة الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة للولايات المتحدة». وتنصّ الاتفاقية أيضاً، على أن «الولايات المتحدة تقدّم الحماية غير المشروطة لعائلة آل سعود بشكلٍ خاص، وأقل منها للمملكة بصفة عامة ضد أيّ تهديد خارجي»، أي أن لـ آل سعود أولوية في الحماية الأميركية، عن المملكة، في إشارة إلى أن الأخطار التي تُهدّد حكم آل سعود داخلية أكثر منها خارجية.

«كوينسي» أمام امتحان!

على هذا النحو سارت العلاقة بين واشنطن والرياض، وكانت النكبة الفلسطينية عام 1948 أولى الامتحانات الحساسة والمصيرية التي خضعت لها «اتفاقية كوينسي». المراجع التاريخية التي وثّقت اللقاء بين روزفلت وعبد العزيز، تؤكّد عدم قبول الأخير بعرض روزفلت حول «وطن قومي لليهود في فلسطين» والذي تمت مناقشته على متن الطرّاد الأميركي. لكن روزفلت لم يعطِ رفض عبد العزيز في حينها أية أهمية على الرغم من أهمية وجود «إسرائيل» بالنسبة للمصالح الأميركية، وواصل تحدّثه في بنود الاتفاقية، بحيث أنه لم يضع قبول عبد العزيز بـ«إسرائيل»، كشرط لإبرامها. وبغضّ النظر عن نوايا عبد العزيز في حينها، فالسبب يعود إلى أن روزفلت شعر أنه سيطر على القرار السياسي السعودي بأكمله من خلال اتفاقية «النفط مقابل الأمن والحماية» ولم يعد لرفض عبد العزيز «إنشاء وطن قومي لليهود» أي تأثير على الخطط الأميركية. الأمر الذي بدا واضحاً في الموقف السعودي من الولايات المتحدة بعد النكبة، حين حثّ زعماء عرب كثر الملك عبد العزيز عام 1948 على سحب امتيازات التنقيب عن النفط مع شركة «آرامكو» (كانت في حينها أميركية) لأن الرئيس الأميركي، هاري ترومان اعترف بـ«إسرائيل»، لكن عبد العزيز رفض ذلك، وردّ على الرئيس السوري، شكري القوتلي، بالقول: «تتكلّم والكلام سهل... النفط هو السبيل الوحيد الذي أملكه للتطوير والأميركان يريدونه، وأنا بحاجة إلى الأميركيين».

«كوينسي» تتراجع

كان مقرّراً أن تدوم اتفاقية «كوينسي» 60 عاماً، ولكن تم تجديدها لنفس المدة، في عام 2005 من قِبَل الرئيس الأميركي جورج بوش، إلا أن العلاقة خلال العقد الماضي لم تعد محكومة فقط بـ «النفط مقابل الحماية»، بفعل تراجع الحاجة الأميركية المُلحّة للنفط السعودي. ففي عام 1945 كانت الولايات المتحدة الأميركية بحاجةٍ ماسّة للنفط، جرّاء خسارتها الكثير من إنتاجها المحلّي، بعد إمدادها دول «الحلفاء» بحوالى 6 مليارات برميل من إنتاجها النفطي، خلال فترة الحرب العالمية الثانية، لذلك بدأت واشنطن بالبحث عن مصادر جديدة، فكان الاتفاق مع السعودية قوامه، «النفط مقابل الحماية». لكن وفي جولةٍ سريعة على الأرقام منذ عام 2015، فإن الولايات المتحدة الأميركية تستهلك يومياً، حوالى 20 مليون برميل نفط من أصل 80 مليون برميل يتم إنتاجها عالمياً. وتتراوح صادرات الخام السعودي إلى الولايات المتحدة بين 700 ألف إلى مليون برميل يومياً، أي أن نسبة النفط السعودي من الاستهلاك الأميركي اليومي، خلال السنوات الأخيرة، لم تتجاوز الـ 5%. توضح تلك الأرقام، أن الأسس التي صاغت «اتفاقية كوينسي»، لم تعد حاكمة للعلاقة كما كانت في العقود السابقة. وباتت الحماية الأميركية للنظام السعودي ولمصالحه تحتاج إلى عوامل دافعة أخرى.

ظهرت بعض معالم تراجع «كوينسي»، في عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما. فقد بدأت واشنطن مع أوباما تتّخذ قراراتٍ تتناقض مع ما تعتبره السعودية مصلحةً لدورها الهام في المنطقة، والذي هو أيضاً من «المصالح الحيوية للولايات المتحدة»، كما تنصّ الاتفاقية. ولعلّ أبرزها، الاتفاق النووي مع إيران، وإعطاء تركيا دوراً اقليمياً مكّنها من توسيع نفوذها، الذي تعارَض مع الدور السعودي، كما ظهر في سوريا ومصر ودول عربية أخرى. في المقابل، لم تكن الرياض خلال تلك الفترة، تقدّم بديلاً عن النفط، لإنعاش «كوينسي»، إلى حين وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وصعود محمّد إبن سلمان إلى السلطة في السعودية، حيث بدأت جوانب جديدة للعلاقة بالظهور لم تكن موجودة في عهد أوباما.

إبن سلمان ينعش «كوينسي»

يحاول إبن سلمان منذ استلامه مفاصل الحُكم في المملكة، تعديل اتفاقية «كوينسي» مع واشنطن بحيث لا يكون النفط هو المقابل الوحيد للحماية، بفعل اقتناعه أن هذا النفط لم يعد حاجة ماسّة لواشنطن. بناءً عليه، فإنه إلى جانب إطلاقه لـ «رؤية 2030» التي يطمح من خلالها إلى تحرير الاقتصاد السعودي من ارتباطه المُطلق بالعائدات النفطية، استند إبن سلمان في صوغه للتعديلات على «كوينسي» إلى تصريحات ترامب التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، ورسائله المباشرة للسعودية ودول الخليج عامة، والتي كانت شبيهة بـ «مزادٍ علني» مكّن إبن سلمان من الوصول إلى السلطة بسلاسة، بعد الإطاحة بخصومه داخل العائلة المالِكة، بحماية ودعمٍ أميركيين. لذا، وفي مرحلةٍ لاحقة، جاءت معظم الاتفاقيات التي أبرمتها السعودية مع الولايات المتحدة في عهد ترامب-إبن سلمان، على شكل استثمارات ضخمة، لم تشهدها العلاقة بينهما من قبل. تضخّ فيها الرياض مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأميركي، عبر صفقات أسلحة، أو استثمارات في البنى التحتية الأميركية، وقطاع التكنولوجيا، تحوَّل بموجبها النفط السعودي إلى عنصر ثانوي في العلاقة، تتدخّل واشنطن في تفاصيله، عندما يوجّه ضد إيران، كما حصل بعد فرض العقوبات الأميركية على طهران، وطلب ترامب من الرياض، زيادة إنتاجها لتعويض غياب النفط الإيراني.

يسعى إبن سلمان إلى جعل الاستثمارات، عبر ضخّ المليارات في الاقتصاد الأميركي، هي المقابل الذي يستوجب الحماية الأميركية، بإظهار أن المال السعودي حاجة ملحّة للإقتصاد الأميركي لا يمكن الاستغناء عنها، بعد أن كان النفط يلعب هذا الدور. لذلك، فإن حماية النظام السعودي، وفق تصوّرات إبن سلمان، ضرورة لواشنطن، قبل أن تكون ضرورة وجودية لـ آل سعود، وحاجة متبادلة لا تزال مستمرة، بغضّ النظر عن تراجع حاجة واشنطن لنفط الرياض. ويصرّ إبن سلمان في ذلك، على طلب الحماية من واشنطن كأسلافه، مع إدخال تعديلات، رغم ما تعكسه بالتزاماتها من آثار سلبية على المملكة اقتصادياً واجتماعياً، فيما يواصل ترامب بدوره، التعامل مع آل سعود ضمن سياسة «العصا والجزرة» كأسلافه أيضاً، وإن بطرق مختلفة، أكثر «علانية». الرئيس الأميركي يعي تماماً حجم تأثير الرسائل التي يوجّهها للرياض عندما يقول إن «النظام الحاكم هناك يسقط خلال أسبوعين من دون حمايتنا»، وما تسبّبه من ارتباكٍ في الجانب السعودي، يكون الصمت فيه أكثر تعبيراً.

تساؤلات مشروعة

أمام تلك المتغيّرات التي شهدتها العلاقة الأميركية-السعودية خلال السنوات الأخيرة، هل سيستطيع إبن سلمان مُجاراة مُتطلّبات تلك الحماية على حساب الاقتصاد السعودي المُتراجع أصلاً بسبب انخفاض أسعار النفط؟ وهل فعلياً فرض على واشنطن تعديلاً على «اتفاقية كوينسي» قابل للإستمرار طوال مدة الاتفاقية؟ أم أن وصول ترامب في لحظة معيّنة ساعده، والأمر ممكن أن يتبدّل مع رحيله، في ظلّ وجود خلافات عميقة داخل دوائر القرار الأميركية حول العلاقة مع السعودية، كشفتها قضية جمال خاشقجي؟ وبمعنى آخر، هل سنشهد مرحلة تصبح فيها ضريبة التمسّك بالنظام السعودي، أميركياً، أكبر من التخلّي عنه؟ الشواهِد في التاريخ القريب والبعيد، حول علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، تسمح بطرح تلك التساؤلات، والبحث في أجوبتها