زياد ناصر الدين

كاتب وباحث اقتصادي

"ماکنزي" بتفاصيلها وشياطينها

لم يعد عمل الشركات الاستشارية المالية العابرة للقارات بغطاء أميركي غافلًا على أحد، حتى وصلنا إلى مرحلة تحذير صندوق النقد الدولي من استخدام هكذا شركات، والغريب أن هذه التحذيرات تأتي من أعلى رؤوس السلطة فيه، خاصة عندما تشرف ولاياتهم على نهايتها، فيتحررون من قيود الوظيفة وينطقون بالحق ولو متأخرًا.

 لم تحقق "ماكنزي" أي نموذج يقتدى به في كل المنطقة
لم تحقق "ماكنزي" أي نموذج يقتدى به في كل المنطقة

تداعيات "ماكنزي" وتجاربها مع الدول العربية
بداية، تؤدي الاستعانة بشركة "ماكنزي"، ومثيلاتها، إلى نتيجتين حتميتين:
الأولى، تثبيت فكرة أنّ كل شيء غربي دائمًا على حق، حتى على حساب الكفاءات الداخلية مهما علا شأنها، وبالتالي إحجاث نوع من الاحباط للكفاءات العربيّة المناهضة لاسرائيل، أو سحب هذه الكفاءات مع أفكارها وإنتاجها، وجعلها في خدمة الارتهان والحاجة المادية.
الثانية، الاستعانة بهكذا شركات هو شرط من شروط البنك الدولي لاحكام السيطرة على اقتصادات الدول، ما يسبب تدعيات مباشرة على الاقتصاد والسياسة، وبالتالي يؤدي إلى ارتهان اقتصاي بنتائج سياسية.
أما نتائج الاستعانة بـ"ماكنزي" في الدول العربية، فهي على الشكل التالي:
تونس: تعتبر نتائج الاستعانة باستشارات "ماكنزي" في النموذج التونسي الأسوأ على الإطلاق، حيث استعان الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، في حينها، بخطط الشركة. فنتج عن ذلك ارتفاع في نسبة البطالة والفقر في بلد يتمتع بكفاءات استثنائية على مستوى الفكر والانتاج. والمحصلة كانت إحراق محمد البوعزيزي لنفسه في سيدي بوزيد وإشتعال ثورة الياسمين التي عرّت "ماكنزي" ومسوّقيها من الطبقة الحاكمة.
ليبيا: بلد النفط والغاز، توجّه إلى الغرب و"ماكنزي" تحديدًا لتطوير اقتصاده والتخطيط لادخال النفط ضمن البنيان الاقتصادي، والنتيجة كانت انتهاء الدولة وتقسيمها بين حكومتين وشعبين.
مصر: دخلت مصر مع الرئيس المخلوع حسني مبارك صلب التجربة أيضًا، فاعتبرت "ماكنزي" واستشاراتها خشبة الخلاص والمنقذ والحامي للحكم، والنتيجة كانت انطلاق ثورة 25 يناير! ففشلت اقتراحات "ماكنزي" وانهار حكم العائلة في مصر، ولم تسعفها وصفات الشركة الأميركية.
اليمن: استعان الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح بـ"ماكنزي" من أجل النهوض بالاقتصاد ومحاربة الفشل الاقتصادي، في بلد غني بالمواد الأوّليّة ومصادر الطاقة ويتمتع بموقع استراتيجي هام للغاية، فكانت النتيجة ثورة 11 فبراير التي أطاحت بالفريق الحاكم الذي وضع أحلامه ومستقبله رهينة الاستشارات الأميركية، فحوّل اليمن إلى بلد فاشل.

السعودية: استعان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشركة "ماكنزي" لوضع "رؤية 2030"، التي ارتكزت على إقامة مناطق ذكيّة والتحوّل من الاقتصاد القائم على النفط إلى اقتصاد انتاجي سياحي. وعندما اصطدمت المرحلة الأولى من المخطط بفشل ذريع عند طرح اسهم "أرامكو" للاكتتاب، وبدأ القلق الدولي حول إمكانيّة تطبيقه، تنصّلت "ماكنزي" من مسؤولياتها ورفضت نسب "رؤية 2030" لها.
دبي: خطة شركة "ماكنزي" لدبي كانت تقضي بتحويلها إلى "إمارة الأحلام" التي ستحكم العالم اقتصاديًّا، وتتحوّل إلى المحرك الأساسي للتجارة العالمية. هذه الخطة لم تسعف دبي عند الأزمة الماليّة العالميّة بين عامي 2007 و2008، ومن أنقذها حينها هو إمارة أبو ظبي والاستثمارات الايرانيّة في مرحلة لاحقة.

خطة "ماكنزي" في لبنان وتوصياتها
أما في لبنان، تدخل "ماكنزي" تحت عناوين إصلاحيّة واقتصاديّة مرتبطة بشكل أساسي بالشروط "الاصلاحيّة" التي فرضها مؤتمر "سيدر "، ففشل المؤتمرات الدولية السابقة من "باريس1" إلى "باريس 3" جعل لبنان بحاجة لتوصية استشاريّة، وكانت الشركة الأميركيّة غب الطلب، فتحوّلت خطتها إلى غطاء لمؤتمر دولي يحمل في طياته أهدافًا سياسيّة واقتصاديّة خطيرة.
على المستوى الاقتصادي، يرهن "سيدر" لبنان ماليًّا، تمهيدًا لوضع اليد الدوليّة، خاصة الأميركيّة، على نفطه وغازه. فيخلق بذلك وصاية أجنبيّة على مقدراته ومصادر الطاقة لديه.
وعلى المستوى السياسي، فتقسم الأهداف إلى شقين: داخلي وخارجي.
في الداخل، يهدف "سيدر" إلى محاصرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وإفشال العهد بقرارات يُقال إنّها "جريئة"، ولكنها في الحقيقة ستسبب أزمة اجتماعيّة وتضع المواطنين ومطالبهم في مواجهة مباشرة مع العهد.
وفي الشق الخارجي، فيهدف "سيدر" إلى عرقلة إعادة إعمار سوريا انطلاقًا من لبنان، عبر فرض شروط تتعلّق بتوظيف العمالة السوريّة في المشاريع الاستثماريّة، وبالتالي منع عودتهم إلى بلادهم والمشاركة في ورشة إعمارها.
أمّا أهمّ توصيات شركة "ماكنزي" للبنان، فهي:
1- الخصخصة (الشراكة بين القطاعين العام والخاص)
2- اعتماد النمو على الاستدانة
3- خفض الأجور في القطاع العام
4- رفع نسبة الضرائب من 14% من الناتج المحلي إلى 20% من الناتج المحلي
5- التخصص في الهجرة لتلبية متطلبات أسواق الهجرة
6- تحويل لبنان إلى مركز حضاري وتجاري وسياحي
7- بناء مركز للمعرفة في بيروت.
8- تحسين الارصفة في صور وجبيل وبيروت وتحويلها إلى مدن سياحيّة.
9- فرض ضرائب على التبغ
10- رفع الضريبة على القيمة المضافة
11- زيادة الضريبة على رسوم التسجيل العقاري
12- تكثيف الجباية من 40% الى 70%
13- رفع حصة الصناعة من الناتج المحلي من 4.6 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار وعدد الوظائف من 185 ألف إلى 240 ألف وظيفة
14- المشاريع المستهدف تنفيذها خلال 5 سنوات ستولد 370 ألف فرصة عمل، وتخفض معدل البطالة من 25% إلى 15%
15- تخفيض نسبة الدين العام من الناتج المحلي من 145% الى 110% (مع العلم أنّ أرقام وزارة المالية تشير إلى أنّ نسبة الاستدانة وصلت إلى 86.5 مليار دولار، وأنّ الناتج المحلي وصل إلى 45 مليار دولار، أي أنّ نسبة الدين من الناتج المحلي باتت تشكّل 162%)
16- تعريف المستهلك العربي والأجنبي على المنتجات اللبنانية من خلال حملات إعلامية ومعارض للمنتجات (ربما تناسى من وضع الخطة أنّه لا يتعاطى مع بلد نامي
17- الحصول على شهادات الجودة (مع العلم أنّ جميع المصانع المصدّرة حاصلة على شهادات الجودة ويعتبر لبنان من البلدان التي لديها قدرة علمية على إصدار تصنيف الجودة
18- الوصول إلى مرحلة الـ"براند" (رغم أنّ لبنان من أكثر الدول التي تحوي أسماء تجارية في المنطقة، ولكن المشكلة بحمايتها وتقديم التحفيزات لها)
19- تصدير الحشيشة والتركيز على المحاصيل ذات القيمة العالية
20- الحد من زراعة التبغ والزيتون والحبوب لأنها ذات قيمة متدنيّة
21- زيادة مساهمة الزراعة من 1.6 مليار دولار في العام 2017 إلى 2.2 مليار دولار في العام 2025 والعمل على رفع قيمة الصادرات الزراعية
22- العمل على رفع عدد السواح من 1.9 مليون إلى 4.2 مليون، وزيادة مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي من 1.6 مليار دولار إلى 3.7 مليار دولار
23- إشراك المصارف في برنامج التنميّة ورفع حصة الخدمات المالية من 4.8 مليار دولار الى 7.8 مليار دولار سنويًّا
24- زيادة الأوراق الماليّة من 14% الى 30%
25- التركيز على تحويل لبنان إلى وجهة استثمارية (اوف شور) تستهدف المستثمرين بشكل خاص في المشرق وافريقيا ومنطقة بحر قزوين

في المحصّلة، لم تحقق "ماكنزي" أي نموذج يقتدى به في كل المنطقة، ولم تستطع إنقاذ أي دولة فقيرة أو تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي. كما وأنها لم تساعد أي من الدول الغنية بمصادر الطاقة، بل أدت الاستعانة باستشاراتها إلى خسارة هذه الدول للكثير من إمكاناتها. بل كل ما تحقق كان الفوضى والسيطرة الاقتصادية الذكية على الدول، لفرض نموذج استعماري وارتهاني واحباطي للشعوب نتيجته التبعية الكاملة لأميركا والدول الكبرى.